main banner

مالپه‌رێ فه‌رمی یێ ئه‌حمه‌د قه‌ره‌نی

 

في وعي التواضع

شخصية أكرم قرداغي نموذجاً



كان الاختلاف بين الثقافة الأدبية والثقافة العلمية يشغل حيزاَ كبيراً من المناقشات الهادئة بين أنصار الطرفين لا لكونهما قطبين متضادين او فيهما ذلك التناقض الذي يحاول فيه كل طرف أن يلغي الآخر، بل كان الصراع يتركز على المحاولات الجدية لكل منهما في اكتشاف الحقيقة، أي تلك الحقيقة التي تثبت في المختبرات او التي يستنبطها العقل ويرتاح لها الحس البشري او ما يتفق مع عواطفه الجياشة مرونة واتساقا.

سبق أن طرقت هذا الباب مراراً وما زلت أفكر في ثنايا مفردات هذه المعادلة الصعبة نوعاً ما، ويذهب بي الفكر أبعد من ذلك عندما أقف عند النقطة الساخنة التي تمثل مخاض "المعرفة الإنسانية"، ويلتقي بهيجانه محورا الثقافتين الأدبية والعلمية و توابعهما الكثيرة التي تتشابك مجتمعة في كم هائل من العلوم البحتة والإنسانية وأطياف أخرى لا تدخل ضمن أي تنسيق علمي يسخره المرء في مصلحته. والمعرفة الإنسانية ـ هنا ـ مفهوم شامل لعالم واسع لا تكتمل مقومات نموه إلا في طقس اقتصاد ملائم ومفعم بالتطور سواء على المستوى التنظيري المتكامل، أم التطبيقي المقبول في التوزيع والمتكافئ في الإنتاج. ظهرت بوادر نمو مثل هذه الحالات في الثقافة الكُردية، منذ العقد الثاني من القرن الماضي، أي كانت نتائج حتمية لإفرازات الحرب العالمية الاولى التي غيرت الخارطة الجغرافية في الشرق والخارطة الفكرية في الغرب، وبتداخلهما طولاً وعرضاً تشرب الشرق بما لم يكن له مستساغاً في السابق، وتذوقت الذاكرة الكُردية نكهة الحرية من بعيد، وتعرفت على بعض أسرار الحياة خلسة، واشتاقت إلى كشف ألغازها لكنها لم تفعل، خشية أن يغضب الأخوان الكبار او من هم في مرتبة اولي الأمر. لم تقتصر هذه الظاهرة في الثقافة الكُردية فقط، بل كانت هناك نماذج بارزة في الثقافة العربية أيضاً، مما يدل على الطبيعة الصحية لمثل هذا التوليد المنبسط في قوته والمنفتح في ارتباطاته لتكون العملية بؤرة ذات مخرجين أحدهما يهتم بالتواصل الروحي مع التراث الثر للأمة، والثاني يتفاعل مادياً مع مستجدات العصر، وعندما تتزاوج إفرازاتهما في مرحلة البلوغ المعرفي، تسمو في كنفيهما القيم النبيلة، الجديدة من حيث ارتداء ثوب الأيام، والأصيلة من حيث التأثير والتأثر، لتكون السمة المميزة للنخبة التي تقود الثقافة الكُردية في المنعطفات الخطيرة الحبلى بالتحديات والمحاصرة بالتهديد والوعيد من قبل الأخوة في الإيمان و الأصدقاء في المصالح على حد سواء.

عند ضفاف هذا الصراع غير المتكافئ، دار حديث طويل بيني و بين صديق كنت أعتز به كثيراً وأرى في شخصه المتواضع النموذج الحقيقي للانتليجنسيا الكُردية بكل معانيها القومية الخالصة وأبعادها الإنسانية الواسعة. عندما يملك الإنسان روحاً مرحة تزداد منزلته شوقاً واحتراما وهذا ما كان يمتاز به صديقي النبيل فكان رجل علم و طالب حق ومبدع أدب وله في الحالات الثلاث شواهد تذكر بالبنان وبصمات لا تمحى أبداً، بل تبقى عزيزة على أهل مدينة السليمانية الجميلة قبل غيرها من المدن الكُردستانية. كان الحديث معه شيقاً للغاية لا لكوني أمزج الجد بالنكات الهادفة دوماً... بل لأنه كان يستوعبها قبل أن تكتمل ويعلق عليها بشيء من الفكاهة التي كثيراً ما توضع النقاط على الحروف أي يؤشر على معانيها المترادفة ويجمع بين متضاداتها بدهاء وخبرة عليم بخفايا اللغة الكُردية بأفضل ما يتوقعه الهاجس الحساس، وفوق ذلك كنا نود أن تسرح الحقيقة في فضاء المعرفة ومن دون تحفظات جانبية. وهنا كانت آراؤنا تلتقي في نقاط عدة ونتفاهم في أكثر من محطة فكرية. وهكذا كان الحديث مفيداً، يجري من دون جهد او تعثر ومن الواجب أن يقدم الإنسان في مثل هذه المناسبات مداعبات مفعمة بالحب ويكن لمثل هؤلاء الرجال كل التقدير والاحترام، لا لكونهم يتقربون من حدود التواضع الواعي فقط، بل لأن همساتهم العاطفية مشحونة بجماليات الخيال الخلاق ولها القدرة بأن تتجاوز حدود الممكن وتسخر من القشور. وهكذا كان صاحبى يتكئ على لب القصيد ويتحاور بما هو جوهري و يغربل نقاوته بدقة، ويطرق باب الجرأة بكل لطف. حقاً كانت كلمات هذا الإنسان المتواضع مفيدة لأنها تنبع من فكر يقطر كرماً في حدود العلم، ويتعاظم إبداعاً في ثنايا الحلم، ويتنور بهجة في رفعة الأخلاق.

 

بۆچوونا خۆ بنڤیسه‌

بۆچوونا خۆ بنڤیسه‌

بابه‌تێ به‌رێ بابه‌تێ دهێت