القراءة ثروة وطنية كبرى
(1)
يتوقف تقدم الدول على مدى قدرتها على استثمار مواردها الطبيعية والبشرية، وهناك احصاءات سنوية تصدرها جهات رسمية عدة تبين تطور الدول ومدى رفاهية مواطنيها اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً بالاعتماد على الارقام المستنبطة من الدراسات والتحليلات التخصصية، وعلى أساس معدل دخل الفرد أيضاً.. ولسنا هنا بصدد ذكر تلك الاحصاءات وتحديد المفاضلة بين مستوياتها، الا ان ما يجلب الانتباه –وربما يحير الذين يفكرون خارج دائرة أهمية التنمية البشرية- هو ان معظم الدول التي تتربع سنوياً على الدرجات الاولى في تلك المعادلات العالمية هي دول فقيرة بالنسبة للموارد الطبيعية مثل السويد او فنلندة على سبيل المثال لا الحصر، لكن المتتبع للشؤون الدولية او لنقل الإنسانية يدرك جلياً ان ما يساعد على التوازن المحكم بين طرفي المعادلة هو السياسة المسؤولة في كيفية استثمار الطاقات البشرية وتنميتها حسب تعليم وتدريب متقنين، تنعكس فيهما برامج مدروسة يخطط لها نظام ديمقراطي يدير الدولة بكل مؤسساتها الدستورية ومنظماتها المدنية من دون ان يهمش اية طاقة بشرية مهما اختلفت رؤيتها بل يفسح لها مجال الابداع وفرص العمل كل حسب امكاناته وخبراته.
استثمار الطاقات البشرية حالة انمائية ـ سلوكية يحصل فيها المواطن على غذائه العقلي وبالشكل الذي يليق به كإنسان، واكثر الوسائل أهمية وجدية في هذا المجال، والتي بواسطتها يستطيع ان يحصل على غذائه العقلي وكذلك الروحي الى حد ما، هي:
- القراءة والمطالعة المفيدة للاطلاع على ما يستجد في الحياة.
- السفر في رحلات طويلة كلما أمكن للاحتكاك بالثقافات المتنوعة.
- الاستفادة من تجارب الآخرين سواء المتراكمة في التاريخ البشري العريق أم المنظورة في مجالات العمل اليومي.
وهذه وسائل مهمة واحتياجات ضرورية، لا يستغني عنها الإنسان المتكامل حضارياً، ولو ان نسبها تتفاوت من شخص الى آخر ومن مجتمع الى غيره، ولكن تبقى القراءة اكثر تلك الوسائل تأثيراً، لذا لابد ان يمارسها كل فرد حسب مجاله المهني ومستواه الثقافي ولا يستثنى منها أي فرد حيث تشمل كل الاعمار حتى الطفل في مراحله المبكرة.
لكي تتوفر الشروط المطلوبة للقراءة وتندمج مع شخصية الإنسان، لابد ان يكون لها تخطيط عام وشامل وبموجب برامج تنظمها الحكومة سواء على المستوى الرسمي في عمليتي التربية والتعليم أم على مستوى التثقيف والتوعية لتشمل كل الاعمار ما قبل وما بعد سنوات المراحل الدراسية، وهنا تظهر حقيقة جديرة بالاهتمام يمكن الاشارة اليها في هذا السياق وهي: ان قليلاً من الاطفال يتعلمون القراءة قبل ان يذهبوا الى المدرسة، وكثير منهم يتركون القراءة بعد ان يتخرجوا منها.
ومرحلة ما قبل المدرسة هي مرحلة مهمة وحساسة حيث يبدأ الوالدان فيها بقراءة القصص القصيرة التي تلائم عمر الطفل، وكذلك يعرضان له بعض الافلام المخصصة لاعمار الطفولة المبكرة.. ولو ان قياس زمن الطفولة الاولى وتحديد نوع النصوص التي تفيد كل فترة من نموه السريع ليس بالامر السهل، الا ان الوالدين يكتشفان ذلك نتيجة استجابة الطفل لتلك المواد الشيقة التي تغريه وتستهويه بشكل جيد، وفي هذه الفترة بالذات تبدأ حالة تحبيب وتعويد الإنسان على القراءة، وتكمن بعض مزاياها في النقاط الآتية:
- تعتبر القراءة وسيلة مهمة لحصول الطفل على معلومات اولية متنوعة هو في حاجة اليها.
- القراءة تفتح باب الحوار للتحدث مع الطفل، وخاصة حول أمور كان بود الوالدين ان يتحدثا بها مع طفلهما، الا ان صعوبة استيعاب الطفل لبعض المسائل المجردة تحول دون ذلك.. فتأتي القصص الشيقة وكأنها مفاتيح تفاهم بين الطرفين.
- تزيد القراءة من وعي الطفل وتساعده على الفهم ومحاكاة الاخرين بسهولة اكثر من الاطفال الذين حرموا من القراءة في الصغر.
- القراءة تساعد الوالدين على اكتشاف امكانات ومواهب الطفل، وهو جانب مهم من التربية الذكية والتي اصبحت ركناً أساسياً من العائلة المثقفة.
- من الأفضل ان يفسح الوالدان لطفلهما مجال التوصل الى بعض الحلول للمسائل السهلة التي تجري احداثها في القصة البسيطة، بأن يطرحا عليه مجموعة حلول مناسبة ليختار من بينها ما هو الافضل حسب ما يرتاح له. وبذلك يتعود الطفل على محاولة حل المشكلات التي تعتري طريقه تدريجياً من السهل الى الصعب ومن البسيط الى المعقد.
- يستطيع الطفل ان يستفيد من الخبرات التي كونها نتيجة القراءة للتعبير عن المشكلات التي يتعرض لها، وعن طريق التعبير السليم تنمو لديه ملكة الجرأة..والجرأة هي الخطوة الاولى عند الإنسان لكي يطالب بحقوقه ويتجنب الغفلة المطمئنة والتي هي الداء القاتل الذي ينخر في جسم الإنسان المسالم.
ونظراً لأهمية قراءة القصص في حياة الطفولة المبكرة، فلابد من الوقوف عند اختيار نوع القصص وطريقة قراءتها للطفل ومتابعة تأثيراتها عليه.. وللحديث صلة.
(2)
تبين من خلال بحوث سايكولوجية عدة، أن الأطفال الذين تقرأ لهم القصص الشيقة من قبل الوالدين في سنوات عمرهم الاولى، أكثر ميلاً لتعلم القراءة في رياض الأطفال ومن ثم في المراحل الدراسية المقبلة، وحتى بعد تخرجهم وانخراطهم في الحياة العملية. وربما يزداد معدل القراءة عندهم في اواخر العمر حيث تزداد ساعات الفراغ التي يستغلونها في القراءة لمعرفة ما يستجد في الحياة وهم في أمس الحاجة الى سماعها ليشبعوا بها فضولهم الأستطلاعي.
بدت القراءة في هذه الأيام ذات تأثير كبير في حياة الإنسان، واثبتت التجارب ان بذرتها الاولى تنبت مع ما تقرأ للطفل من قصص وحكايات. لذا من الضروري ان نقف في هذه العجالة عند نوع ومكونات وتأثير تلك القصص وطريقة سردها وأمور أخرى مهمة تتوجب على الوالدين او من يقوم بتربية الطفل معرفتها لكي تحقق تلك القصص غرضها المطلوب على أحسن ما يرام، ومن أجل ذلك ايضاً يجدر بالوالدين ان يكونا على بينة من تأثير تلك القصص والتي تكمن أهميتها في النقاط الآتية:
2- على الوالدين ألا ينخدعا بما تعلنه بعض دور النشر عن سلسلة كتب او قصص للأطفال مناسبة لفترة ما قبل المدرسة، او تحدد في مرات أخرى مستوى الكتاب الذي يلائم كذا فترة عمرية، بل عليهما ان يكونا ناقدين ماهرين في اختيار ما هو صالح ويستفيد منه الطفل، واذا استصعب الأمر عليهما فمن الممكن ان يستعينا بأحد معارفهما الملمين بهذه الناحية، او حتى جهة علمية متخصصة في علم النفس الطفولي او علم النفس التربوي...
2- من الأفضل ان لا تقتصر القصص المختارة على موضوع واحد، بل يجب ان تتنوع الموضوعات من دينية وتأريخية وعلمية وفنية وخيالية... وغيرها ليتسنى للوالدين اختيار ما يناسب مستوى طفلهما، وخاصة بعد أن يفسحوا له المجال أن يشارك في اختيار القصة التي يرغب فيها، وتكون المشاركة على مستويات عدة منها
أ- وضع مجموعة من القصص امام الطفل ليختار من بينها ما تعجبه.
ب- قراءة القصة للطفل بطريقة جذابة، فأذا اعجبته من البداية وانسجم معها، فما على السارد الا أن يستمر معه الى النهاية.
ج- مزايا القراءة كثيرة، ولكن أهمها هي معرفة الوالدين بميول طفلهما واتجاهاته، وبذلك يسهل عليهما الأستمرار في الحصول على قصص أخرى تفي الغرض نفسه لتتم تنمية تلك النواحي بشكل جيد...
3- اختيار الزمان والمكان المناسبين للقراءة، لأن التوقيت الجيد هو عامل مهم لانجذاب الطفل الى القصة والتفاعل مع احداثها المبسطة. فمثلاً لا يجوز ان يطلب منه الأستماع الى قصة ما، وهو يشعر بالجوع او يتابع برنامجاً خاصاً بالأطفال او منسجم مع اقرانه (أخوته) متمتعاً باجواء اللعب او أي نشاط آخر.
للمكان الملائم- ايضاً- تأثيره المباشر في انسجام الطفل مع اجواء القراءة، فمثلاً لا تكون القراءة امام التلفاز، او قريباً من مكان طفل آخر مشغول بألعابه المسلية، او في المطبخ حيث تفوح رائحة الأكل الشهية... هذا ما يتعلق بالوضع النفسي والحركي للطفل. أما بالنسبة للسارد فيتوجب ان يكون وضعه- ايضاً منسجماً مع عملية القراءة وخاصة في وقت يشعر فيه بالأرتياح ولا يمله ارهاق العمل اليومي، وبذلك يستطيع ان يقدم افضل مالديه من معلومات ويختبر مواهبه في الأنفعال والترنيم والترتيل والتمثيل وتقمص شخصيات القصة ليجعل منها مادة حية يعيش هو وطفله في أجوائها الجميلة.
4- على الوالد السارد ان يقرأ القصة مسبقاً، ويتعرف على أحداثها وكلماتها ويستنبط منها اسئلة تمهيدية شيقة واستنتاجات كثيرة، لكي لا ينحرج او يتردد اثناء السرد او في حال الأجابة عن الأسئلة الكثيرة التي ستدور في خلد الطفل او التي يجب ان تثار في ذهنه.
5- على السارد ان يسأل الطفل قبل واثناء القاء القصة ليشارك في جميع اركان عملية القراءة من غلاف الكتاب الى استنتاجاتها الأخيرة فيدخل الطفل مع السارد في حوار شيق ويتعلم من خلاله فنون طرح الأسئلة وكيفية الأجابة واكتساب الجرأة الأدبية وتنضج لديه – أيضاً- سرعة البديهة عن طريق التفكير السليم، وعلى سبيل المثال في البدء يسأله عن الصورة الموجودة على غلاف الكتاب فيقول- مثلاً- (دجاجة) ثم تستمر الاسئلة عن المكان الذي تقف فيه الدجاجة. وكذلك ما لونها؟ وماذا تعمل؟ وكيف تعيش؟ وهل سبق ان رآها في السوق او في التلفاز... الخ.
6- من الضروري- ايضاً- ربط احداث القصة بالواقع الذي يعيشه الطفل، فمثلاً تذكره بالنهاية التي وصل اليها الثعلب نتيجة كذبه على الأسد، او الخاتمة الحسنة التي كافأت فيها الجدة حفيدها اثناء مساعدته لها في عبور الشارع.
7- من المستحسن ان يصطحب الوالدان- بين فترة وأخرى- طفلهما الى مكتبات الأطفال التي تقدم خدمات جميلة وحلوة تليق بهم ويعلمانه طرق استعارة الكتب والتمتع بالقراءة... وعندما يرى الطفل قدوته- ايضاً- وهو يقرأ وكذلك الأطفال وزوار المكتبة جميعهم في غاية الغبطة والسرور كما هم فيه... ستتحقق له ايضاً متعة الذهاب الى المكتبة، ويراها نـزهة حلوة وضرورة ملحة يحتاجها بين حين وآخر.
8- يقوم الوالدان بتوفير بعض اللوازم الضرورية للطفل مثل دفتر الرسم واقلام التلوين ويشجعانه على تلوين صور القصة في الكتاب، او محاولة رسمها على الدفتر، او مشاهدة القصة على شكل فيلم، او تمثيلها ولو بشكل مبسط مع الأطفال الآخرين... وأخيراً يطلب منه اعادة سرد القصة واذا تمكن من ذلك فأن الهدف المنشود قد تحقق وتصبح القراءة جزءاً حيوياً وحساساً من شخصيته، ويكبر معه هذا الجزء ليتسع حدود افقه الثقافي ويشغل مساحة مهمة من اهتماماته الفكرية.
(3)
خير ما يفضله الإنسان في الحياة هو الاطلاع على ما يستجد في الفكر، ولا تتم هذه العملية إلا عن طريق القراءة، ولا يمكن الاستحواذ على هذا الكنز المعلوماتي من دون عملية تراكمية لجرعات متتالية من الفهم المستمر للكلمة الهادفة التي تعبر عن أفكار الآخرين، و تحلل في المعطى النقدي المقروء لتؤلف ثانية في معادلة متوازنة بين ذهن تواق للاستلام، ورسائل تبحث عمن يستقبلها بتودد.
من هنا نعلم أن القراءة هي أساس التفكير ومنه تنبت بذرتها الاولى في الطفولة المبكرة أي في سنوات ما قبل المدرسة، ويستكمل نمو معالمها في المراحل الدراسية التي تتوارى بين كتب منهجية متدرجة علمياً من البسيط إلى الشامل، وبين كتب تزخر بها مكتبة المدرسة من سهلٍ شيقٍ إلى متنوعٍ يميل إلى التعقيد، وعند التقاء طرفيهما تبنى شخصية الإنسان التي تتطور أثناء البحث المتواصل في العمل اليومي المتخصص مهنياً، وتنمي قيماً جمالية تجمع بين المواطنة السليمة في الواجبات والانتماء الواعي لنظام تتكامل أسسه في بنيان الدولة.
هكذا تكون شخصية المواطن الصالح هي المبتغى المرغوب في البيئة الاجتماعية التي تسعى إليها الدول جميعها، سواء المتطورة إلى حد بعيد أم الصغيرة ذات الإمكانيات المحدودة. ولما كانت للقراءة هذه الأهمية الكبيرة فلا بد من الوقوف عند شروطها وأسسها و مؤثراتها و أنواعها... وحيث تبدأ اولى خطواتها في الشروط الذاتية التي تبنى عناصرها على العاطفة الجياشة سارياً جريانها في المنظومة النفسية والذوقية ذات التأثير المباشر على نوعية اتخاذ القرارات الصحيحة واختيار إصدار الحكم النقدي البناء، وبهما تتكامل أسس الصحة النفسية للقارئ المواظب الذي يصطفى في موقعه الإداري اجتماعياً واقتصادياً ضمن النخبة المثقفة التي تتبوأ أعلى المناصب على المستويين العلمي والسياسي على حد سواء.
من هنا نصل إلى حقيقة ملموسة، وهي إن القراءة الصحيحة للطفل تساعد على إنماء شخصيته عاطفياً، وعند نضوج ميوله العاطفية يصبح لديه الاستعداد الكامل للتعامل مع جميع النقاط التي تنبعث من القراءة عاطفياً.
يستحيل تحبيب القراءة لأي فرد مهما كانت منزلته العلمية او الاجتماعية رفيعة إذا لم يستعد عاطفياً لذلك، لذا فإن العلاقة بين العاطفة والقراءة علاقة جدلية لا يمكن الاستغناء عنها سواء في الدراسات الأكاديمية التي تتمحور في هذا الاتجاه، أم في التعامل المتكافئ بين أفراد المجتمع.
إن القارئ الذي نضج خياله نتيجة مؤانسته لما كان يسرد له من القصص الممتعة أيام الطفولة، وتمرّن على المطالعة أيام الدراسة الابتدائية، وأعد تقارير علمية في المرحلة الثانوية، وأبدع في إعداد البحوث في مرحلة الدراسة الجامعية، ستصبح القراءة لديه حاجة ضرورية لايستغني عنها، وغذاءً فكرياً دائم الحضور في ذاكرته، و بذا تكون القراءة المنتظمة هي المفتاح الذي يمهد له الدخول في عالم الثقافة، وتنمي في شخصيته سمات يحسد عليها الخيرون وتصقل مهاراته بصفات قلما توجد عند غيره ممن لم يمر بتلك المراحل القرائية، ومن تلك السمات:
- الاتزان المحبب بين التوجهات الغريزية والميول العاطفية والقدرات العقلية وبذلك يكون ذا حس مرهف يتكيف بموضوعية مع محيطه.
- الالتزام بمبدأ الحياد حيال مايطرح من فرضيات جديدة، والاعتماد على التحليل العلمي في فرز الصالح من الطالح.
- النزاهة في التعامل مع ما يترتب عليه من واجبات مهنية وأعمال طوعية تسري في المصلحة العامة.
- النظرة الجمالية الثاقبة وبذلك تكون لديه روحاً مرحة تجعل الآخرين يتعاملون معه بثقة واطمئنان.
لا تنحصر صفات القارئ الجاد عند هذه الحدود، بل هناك مزايا أخرى تظهر طردياً مع المستويات المنفتحة على جميع الاحتمالات وسمات كثيرة تكون دوماً في متناول اليد وتتقاطع ذاتياً مع الممكنات المختلفة في فضاء الإبداع.
(4)
بات من مسلمات العصر، أن يتقن المتعلم المثقف الظروف الذاتية والمزايا المساندة التي تبنى عليها الخطوات الأساسية لتعويد الإنسان على القراءة، سواء على الورق المكتوب أم على الشاشة المتحركة، والتي تبدأ من مرحلة الطفولة وإلى آخر مراحل العمر... وما أجمل الحياة مع صديق يعطيك كل شيء من الدغدغة المداعبة إلى أدق أسرار الكون، وبدون مقابل يذكر، او منية مكلفة، او رقم يثقل فاتورة المصروفات اليومية، وطبعاً، فيما إذا اعتمد القارئ على المكتبات العامة، والتي هي ركن أساس في حضارة أي شعب.
وهكذا تصبح القراءة من مستلزمات المرء الحياتية، وتمول نشاطاته العقلية كما الغذاء والماء و الهواء مواد أساسية لنموه البيولوجي. وما أزكى عطر الأيام الخوالي، تلك الأيام التي كانت تسمو على السنين و يتغذى فيها العقل من القراءة والقلب من المحبة والجسد بما تشتهي النفس.
في البدء كانت الكلمة، ومن الكلمة ولدت القراءة، ومن القراءة تعاظم شأن العلم، وبيت العلم المكتبات، لذا من باب المكتبات العامة ندخل إلى عالم الظروف الموضوعية التي تهئ الأجواء المناسبة لتنشيط عملية القراءة، وجعلها من السمات المميزة للمجتمع، وتشمل تلك الظروف الميسرة معظم مجالات الحياة من أركان هيكلية التخطيط الثقافي إلى أسس الأمن القومي.
بالرغم من ضخامة مدخلات العملية القرائية وإتساعها المتجذر في المدينة والقرية على حد سواء، إلا أن دعائم بنيتها الراسخة في الأعماق والمنفتحة على محيطها المترامي الأطراف، تنحصر في خطوات مركزة وجدية تبدأ من مقومات يسهل على الجميع التعامل معها ببساطة ومن نوافذ اليسر يتطلعون على أبعد تعقيدات الحياة. وهنا لا ندعي وضع برنامج متكامل او مشروع قانون يستوعب هذه العملية الحساسة، ولكن من الضروري أن نذكر علامات تأشيرية تكون بمثابة مفاتيح لأبواب تفتح على عالم نصبو الدخول إليه بكل شوق ومحبة. ومن تلك العلامات:
- بناء مكتبات عامة متواضعة، حسب أعداد الأحياء السكنية في المدن او المجمعات السكنية المنتشرة في الريف. وفي كل منها جناح خاص للأطفال، وتمول بما تستجد في الثقافة العامة من نشرات وكتب وصحف. وبقدر غناها العلمي من الداخل، يجب أن تحافظ على جماليتها من الخارج أيضاً لتكون رمزاً لمدى وعي ورقي التجمع السكاني المستفاد منها. ويفضل أن تربط تلك المكتبات العامة الصغيرة مع بعضها كنقاط ناشطة تستوفي عملها التثقيفي في مدارات متكاملة حول نواة فاعلة تتمثل في المكتبات العامة الكبيرة حسب التوزيع الجغرافي الذي يغطي الوطن كله. عند تعذر تأمين البنايات الكافية وتوفير مستلزماتها بشكل متكامل، يمكن تعويضه بمكتبات مشابهة ولكنها متنقلة داخل سيارات جميلة ومخصصة للهدف نفسه. في جميع الأحوال تكون هذه المكتبات الصغيرة في علاقة متواصلة مع جميع مراحل التعليم، تزورها مجموعات الطلبة حسب برامج توضع خطواتها من قبل إدارات المدارس وبالتعاون مع مشرفي المكتبات.
- توزيع صحف مجانية على المواطنين وتمول ذاتياً بالإعتماد على الإعلانات والنشاطات الثقافية والتبرعات، وتهتم بما يتعلق بحياة المواطنين في شؤونهم الخدمية كل حسب منطقتها، وبذلك تصبح الصحافة حاجة ملحة ومحل إهتمام الجميع تتكامل دورتها على محور أساس وهو المواطن وتتشابك علاقاتها مع مثيلاتها القريبة في مجموعات متجاذبة لتغطى في مدياتها المساحة الاجمالية للوطن، وفي الوقت نفسه تكون روافد مستديمة للصحف الرئيسة وقنوات الاعلام المركزية سواء بالمعلومات أم الكوادر الفنية المتقدمة.
- إصدار نشرات إختبارية من قبل مؤسسات المجتمع المدني التطوعية، او المراكز الدينية الخيرية، كل حسب برنامجها الارشادي او التثقيفي، وتمنح شهادة تقديرية او مكافاً تشجيعية لمن يتفوق في حلقات البرامج المتكاملة، سواء أكانت شهرية أم فصلية أم حتى إذا كانت نصف سنوية. وهناك أمثلة عملية كثيرة ومجربة على مستويات مختلفة ونالت نجاحات ساحقة في كثير من دول العالم... ومن تلك الامثلة : تقوم جمعية علمية بإصدار كتيب صحي او نشرة علمية وترفق معها مجموعة أسئلة وترسل بالبريد الى المشتركين. يقوم المشترك بقراءة الكتيب او النشرة ثم يجاوب على الاسئلة و يرسلها الى المركز. يرسل المركز درساً ثانياً مع أجوبته المصححة السابقة.. وتتكرر العملية بين المركز والمشترك الى أن يكمل المنهج المخصص لذلك الغرض.
وهناك أمثلة وخطوات كثيرة يمكن أن تكون نقاطاً أساسية ضمن مشروع مقترح كالذي تم طرحه أعلاه... وعندما يصبح مثل هذا المشروع أمراً محتوماً ويطبق في الواقع عملياً، يبدي القائمون به إبداعاً في التنظير ومبادرات خلاقة في التنفيذ. وبذلك تكون عمليات التثقيف والتوعية والترشيد سهلة يتقبلها المواطنون برحابة صدر، ومريحة للجهات المتنفذة في الحكومة أثناء ما يطبقونها بحذر و شفافية.

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه