main banner

مالپه‌رێ فه‌رمی یێ ئه‌حمه‌د قه‌ره‌نی

                                                                                البيشمركة: الوطني الذي لا يقهر

« سعدالله آفدل نموذجاً»



كانت الحياة العملية للبيشمركة اثناء الثورات المتتالية في كُردستان كتلة منسجمة من القيم وتحفة رائعة من الفضائل، بحيث يسهل على المتتبع الملم في توثيق يومياتهم ان يجد كل ما يخطر على باله في ثنايا حركاتهم البطولية ونشاطاتهم الثقافية وخدماتهم الإجتماعية ودقتهم في إدارة الأعمال... الا أنه من الصعب ان يعثر أحد ـ حسب المقومات الموجودة حالياًَ ـ على الخيوط الحقيقية للفكر الذي يربط بين حياة حرب الأنصار وحياة ما بعد النصر.
أراد كثيرون أن يكونوا جزءاً من صفوف البيشمركة لكنهم عجزوا عن تسجيل اسمائهم في ضمير الأمة، وهو امر في غاية الأهمية لأن التحلي بالقيم العليا والفضائل المثلى ليس بمقدور أي انسان، ولا يتحقق ذلك بالأماني فقط.
من اولى الفضائل التي تحلى بها البيشمركة، واصبحت قيمة عليا في سلوكه، هي ارتباطه بالأرض، ويزداد تعلقه بها كلما ركز على الأنساب المتتالية والأجيال المتلاحقة لبني جلدته الذين عاشوا في هذه المساحة الجبلية ويكبر عشقه مع جمالها المتكامل ضمن حدود يعرفها المؤرخ ويفسرها السائح كشاهد عيان، ويثق بها رجل العلم كمنصف يغربل شذرات المعرفة. وهكذا ظهر من هنا وهناك فتى كُردي كعاشق جبلي او فتاة كُردية كجبلية عاشقة واعطيا لحياتهما عنفواناً وإباء في خضم أصوات يعرفها التأريخ القديم والوسيط والحديث، ويمكن سردها في كرونولوجيا مترابطة من حيث التأثير والتأثر في حضارات المنطقة... وحبذا لو وضعت هذه المسألة قيد الدراسة والبحث. ولكن لم يدخل هذا العشق الجبلي ضمن المسميات العاطفية او المغامرات الأستكشافية لحد الان ولم تظهر بوادره إلا عند ضفاف جمهورية كُردستان التي ولدت من رحم الحرية بداية عام (1946)، ووئدت حية في حفرة الغدر في نهاية العام نفسه. وتيمناً لبطولات من مهد الطريق لقيام هذه الجمهورية ودافع عنها ببسالة، كانت لهم نصب من المجد في قلوب الكُرد وسموه (البيشمركة) اي العاشق الذي يسبق الموت. ويقول أحد الشعراء الكُرد على لسان هذا الجبلي المقدام وهو واقف أمام حبل المشنقة مخاطباً الموت (سأنال منك ولن تفلت من يدي).
ومن ضمن العشاق الجبليين الذين تشرفت بمعرفتهم عن قرب، البيشمركة سعد الله آفدل (1954- 1989) فكان نموذجاً معبراً عن حياة الآلاف ممن باتوا في عداد البيشمركة المجهولين ولم يعرفهم تأريخ العشق الجبلي، واقتصر سرد اسمائهم ضمن قاموس (ولدوا وناضلوا واستشهدوا)، الا أن الشهيد سعد الله كان محظوظاً في ذلك حيث توثقت حياته بكل دقائقها بفضل محبيه والقريبين منه الذين لم يبخلوا جهداً في تسجيله.
ولد سعد الله في كنف عائلة وطنية عام (1954) في قرية غلبيش التابعة لناحية بامرني، انخرط والده في صفوف ثورة ايلول (1961- 1975). اعتقل شقيقه الأكبر (طيب) واستشهد تحت التعذيب دون ان يعترف على رفاقه في النضال. نفيت عائلته الى جنوب العراق وبقيت تحت الأقامة الجبرية. بعد عودتها الى دهوك ينخرط في التنظيمات السرية للثورة وهو طالب في المرحلة الأعدادية، طالب متفوق في الدراسة ويقرض الشعر ويشترك في مهرجانات عديدة، وينشر اولى قصائده في الجرائد التي كانت تصدر آنذاك في بغداد. نتيجة ملاحقات أزلام النظام وكشف تنظيماتهم يلتجئ الى الجبل وينخرط في صفوف البيشمركة ويدخل إحدى دورات اعداد الكوادر للحزب الديمقراطي الكُردستاني. كان ملتزماً في واجباته ونشيطاً في علاقاته الأجتماعية.
لم يترك ارض الوطن حتى بعد حرقها وتشريد اهلها بالكامل عام (1988)، وبقي ضمن المفارز الصغيرة للبيشمركة يقارع الظلم وكله أمل بان يرى نور الحرية في يوم ما، الى أن استشهد في ربيع (1989).
كان الشاعر الشهيد متعلقاً بالأرض الى حد الذوبان فيها، وجل اهتماماته وآماله وافكاره موجودة في ثنايا الصور الشعرية التي زينت مجموعتين شعريتين طبعتا تباعاً: الاولى اشرف الشاعر نفسه على طبعها وهي (الدم والحرية، مطبعة خبات 1986) والثانية (سمفونية الحلم والخيال، مطبعة خبات 1991) والتي أشرف على طبعها شقيقه الأصغر بهجت آفدل. ثم أعيد طبعهما ومع مواضيع أخرى متعلقة بحياة الشاعر ونتاجاته في كتاب واحد بعنوان (سعد الله آفدل- الشاعر، البيشمركة، الشهيد) عام (2002) والذي كان من اعداد الأستاذ اسماعيل بادي وضمن اصدارات مؤسسة سبيريز للطباعة والنشر في دهوك.
يقول الشاعر الشهيد عن نذالة الذين اغتصبوا ارض كُردستان في احدى قصائده: (جبان من ينام في فراش امراة لا تحبه). ويكتب في رسالة حب الى والدته: (أماه، كم كنت شجاعة عندما استقبلت جنازة ابنك البكر الذي استشهد تحت التعذيب وهو مُقطع الاوصال، وأريدك ان تكوني فخورة بأبنك الثاني البعيد عنك الذي يناضل في صفوف البيشمركة...).
المقال مستل من كتابي (ملامح طفولة الفكر الكردستاني، مطبعة شهاب، أربيل 2011، ص219-222).

بۆچوونا خۆ بنڤیسه‌

بۆچوونا خۆ بنڤیسه‌

بابه‌تێ به‌رێ بابه‌تێ دهێت