سكت الفكر فنطق الشعر
بينما كنت استمتع بنـزهة مسائية في أحد شوارع عاصمة الأقليم، قرأت اعلاناً منشوراً في ملصق جداري جذاب يدعو المثقفين الى ندوة حول الفكر القومي الكُردي يقدم فيها ثلاثة من الأدباء المعروفين طروحاتهم حول الموضوع.
تمعنت في محتوى الفكرة قليلاً، ودفعني حب الاستطلاع الى التعرج على ذلك المكان، حقاً انها مبادرة تستحق الوقوف عندها، لا لكونها نشاطاً فكرياً- ثقافياً- أجتماعياً فقط، بل لأنها دعوة غريبة تثير تساؤلات كثيرة... يا ترى ماهي الاضاءات التأريخية التي يسترشد بها الفكر القومي الكُردي؟ وما هي المنابع الفلسفية التي يستند عليها برنامجه؟ وما هي الأسس العلمية التي يتبعها في تحليل الاشكاليات المعقدة التي تعاني منها المجتمعات الشرق اوسطية بشكل عام والمجتمع الكُردستاني بشكل خاص؟ ومن ثم ماهو موقف الفكر القومي الكُردي من الفلسفات المتصارعة في القرن العشرين واستنتاجاته الايجابية التي تؤهله للدخول في القرن الجديد ويستطيع ان يشخص نوع النظريات التي يتفاعل معها في الاستدلال والتطبيق...؟ وفوق كل ذلك ما علاقة الأدباء بتحليل ودراسة مثل هذه الموضوعات الشائكة والحساسة والخطيرة على المستويين الداخلي والخارجي على حد سواء. قطعت سلسلة هذه التساؤلات غير المريحة، وقررت الذهاب الى القاعة حسب العنوان المدون في الزاوية السفلى من الاعلان. وصلت متأخراً بعض الشيء. كان الهدوء مخيماً والاديب المحاضر يسري أفكاره في جمل مترابطة جميلة. لا أدري من أين بدأ، لكنه ها قد وصل الى المنجزات الكبيرة التي حققتها الدولة الأموية ويقارنها مع حجم المعارضة الشعبية التي كانت تحاول النيل من بطشها وجبروتها، لأنها قسمت الأمة بين نخبة مختارة مهيمنة وهي أقلية وتمثل الطرف الأعلى وفي الطرف الآخر هناك شعوب وقبائل وشرائح اجتماعية مغلوبه على أمرها وهي اغلبية. الاولى تملك كل شيء والثانية تحاول ان تملك أي شيء. كان الاديب المحاضر يستشهد بالمصادر التأريخية ويدعم بها آراءه منها القديمة مثل: تأريخ الطبري، ومروج الذهب.. ومنها الحديثة منها: عصر المأمون، والعصر العباسي الاول، وتاريخ الدول العربية.... وكان يؤكد على أن هذه المصادر تسهب في تفاصيل دقيقة عن قصة الثورة العباسية والعوامل التي ساعدتها في بلوغ غايتها سنة (123هـ/ 750م) والتي تكمن في النقاط الأربع االآتية:
1.اندلاع الثورات الكثيرة ضد النظام الأموي، وأرادت منها ان تسلك طريق الصلاح... ومن أشهر تلك الثورات: ثورة ابن الزبير، وثورة ابن الاشعث، وثورة المختار الثقفي وثورة زيد بن علي زين العابدين.... منيت كلها بالهزيمة والفشل وكبحت بشراسة.
2.اضطهاد الأمويين للموالي اضطهاداً عنيفاً وساخراً، مما دفعهم للأنضمام الى تلك الثورات سراً وعلانية، آملين ان يروا من خلالها انقاذهم واسترجاع حقوقهم المهضومة.
3.تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعارضة للأمويين وخاصة مؤازرة العلويين للعباسيين في حركتهم التي تسعى لارجاع الخلافة لآل البيت.
4.نجاح الدعوة السرية للعباسيين وخاصة في الولايات البعيدة عن المركز وفي مناطق الصراع القريبة ايضاً، وخير مثال على ذلك ما شعر به الوالي الأموي على خراسان نصر بن سيار من خطورة الموقف حيث كتب الى الخليفة مروان بن محمد هذه الأبيات:
ارى بين الرماد وميض نار
ويوشك ان يكون لها ضرام
فأن لم تطفهــا عقلاء قوم
يكون وقـودها جثث وهام
فان النار بالعــودين تذكى
وان الحرب اولهــا كــــلام
فقلت من التعجب ليت شعري
أأيقاظ بنو أمية أم نيــام
لم يستفد الخليفة الأموي من تلميحة والي خراسان فكوى بنار الثورة العباسية. ومن بعدهم ايضاً لم ينتبه الى تلك المخاطر لا خلفاء بني العباس ولا سلاطين آل عثمان فلدغوا من الجحر نفسه... وربما كثيرون غيرهم ما يزالون يعزفون على الوتر نفسه ومواقعهم قاب قوسين او أدنى من تلك المصيدة التي لاترحم.
وأخيراً انهى السيد الأديب محاضرته باستنتاج مفاده: أن هذه الحالة سوف تستمر مالم تع الدول المهيمنة على المنطقة خطورة الوضع وتكف عن اضطهاد شعوبها وتبني سياساتها على العدالة الاجتماعية وتهتم بالبناء والاستثمار والبحث العلمي.... لتنهي السيناريوهات التي يراها الشعب قدراً كارثياً، أما الأدباء فأنهم يعتبرونها مأساة انسانية لأنها تهز مشاعرهم من الصميم، أما بالنسبة للمحللين والمفكرين فأنهم يقرؤونها كمهازل يخجل منها تأريخ البشرية.
تركت القاعة قبل ان يقدم الأديب الآخر محاضرته...

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه