main banner

مالپه‌رێ فه‌رمی یێ ئه‌حمه‌د قه‌ره‌نی

 

مفتوح .. مغلق



(1)

كان ناظم رجلاً ضخماً مختل العقل، هادئ الطبع، نادراً ما يتفوه بكلمة او كلمتين وخاصة عندما تكون الحاجة الى ذلك من أجل أن يتجنب ثرثرة الآخرين وفضولهم الى جانب متاعبهم التي لاتطاق. ومع شكله الغريب والمخيف بعض الشئ كان دوماً رث الثياب، يمشي بتمهل، غارقاً في التفكير وينظر بتمعن يوحي الى عدم رضاه عن الآخرين. وبالرغم من عدم وجود ما يجذب في مظهره الكئيب هذا، إلا أنه كان نادراً ما يُرى جالساً في مكان ما، او واقفاً يجري حديثاً مع أحد او يقضي أمراً يهمه او يطلبه منه الآخرون. بل كان في أكثر نزواته وحيداً، يتنزه في الأماكن المهجورة او في الطرقات شبه الخالية من المارة.

كان ناظم بالنسبة لمن هم في سنه، معروفاً من حيث الكنية والنسب والماضي السعيد المفعم بالإباء والكرم، يحترمونه أجل احترام وله معهم ذكريات جميلة قبل أن يترك مدينته وينخرط في العمل السياسي ويرى في دهاليزه صعاب الواجب وقساوة الطرف المقابل الذي يرى في حرية الآخرين خطاً أحمر يمس مبادئه من الصميم. هكذا عاد ناظم بعد أن انفلت من مخالب القدر ، لكنه مغاير تماماً لما كان عليه قبل المغادرة، فهو الآن لغز يحير الجيل الجديد و خاصة لمن يهوى أن يسلك طريقه في النضال سراً او يلتحق بالجبل ليقاوم علناً.

كنت أقرأ في وجهه مآسي الكُرد، وأتعلم من تقاسيم وجهه دروس الحياة، لم أحاول أن أتحدث معه أبداً، لأنه كان من خلال ملامحه المعبرة و المفعمة بالحياة والإيحاء، يفهم ويتفاهم من دون الحاجة الى الكلام. فالتعبير عن طريق التمعن والتأمل لغة في غاية الرقي والتطور، كما كان الرقص عند زوربا اليوناني لغةً تفوق الكلام الذي لا يستطيع أن يعبر عنه في كل المناسبات وخاصة في الحالات التي يصعب عليه استيعابها بالشكل المعتاد. ونادراً ما صادف أن سمعت بعض كلماته عند حالة مفاجئة او حدوث أمر طارئ، وهو ما كان يسرني جداً لا لكوني من الذين يتقنون الإصغاء أكثر من التكلم، او من الذين يحبون الكتابة أكثر من الخطابة، بل لانه كان من الضروري أن يعجن الإنسان في هذه الحالات عمق النبرة مع أفق المعنى، ليحصل على الصدق في جوهره النقي. وربما كان هناك كثيرون مثلي يتضايقون من الكلام المعسول الذي ليس له في الأعماق منبع، او من الثرثرة المملة التي ليس لها في الآفاق أثر. وكم كنا نود ـ في حينه ـ أن يقل تأثير هذا الفايروس القاتل في مجتمعنا، إلا أن الذي حدث لاحقاَ كان عكس ما كنت أتمناه.

ومن أجل تبيان حقيقة الرجل الذي كان يخفي في كيانه الإنساني معاني كبيرة تدل على عظمة خالقه تعالى والذي له في خلقه شؤون. أذكر على سبيل المثال لا الحصر هذه اللقطة الدرامية التي حدثت معه قبل ثلاثين عاماً:

في أحد الأيام كنت جالساً مع صديق أعتز به في محله للتصوير، وفضلاً عن مهنته كفنان ومصمم، كان كاتباً متزناً في آرائه ومواقفه ، أزوره كلما سنحت لي الفرصة، حيث كان محله بمثابة منتدى صغير يعوض عن أي ملتقى ثقافي آخر، كانت مدينتنا ـ آنذاك ـ تخلو من مثل تلك المنابر بتاتاَ. كان الحديث في هذه المرة شيقاَ، نتحدث عن إحدى كتاباته المنشورة في مجلة (العربي) الكويتية الصادرة حديثاً، حيث كان من دواعي سرورنا أن تنشر مجلة واسعة الانتشار شيئاً عن الأدب الكُردي وبالذات في الظروف العصيبة كتلك التي أعقبت نكسة (1975). في أثناء الحديث انتبهنا الى الرجل الواقف أمام الواجهة الزجاجية وهو يتمعن في الصور الكثيرة الملصقة بها. تكلم الاستاذ رمزي عن شخصية الرجل الواقف وهو (ناظم) وتأسفنا لما آلت به الايام، وتكهنا مع طيب الخاطر بالشؤم الذي لا يمنع أن يكون مصير أي واحد منا ليس بأحسن من حاله، إلا أن حديثنا انقطع عندما دلف ناظم الى الداخل، ومن دون سلام او كلام بدأ ينظر الى ما تبقى من الصور المعلقة في الجدران الداخلية للاستوديو. توقفنا عن الحديث كلياً وساد الجو صمت جنائزي لا نسمع سوى بعض زفراته بين حين وآخر وخاصة عندما كان يقف أمام بعض الصور مبهوراَ، والتي كانت جميلة جداً و مؤثرة حقاً......

 

(2)

أنه موقف صعب وربما محرج الى حد ما، أن تكون جالساً في محل عام وأمام موقد في يوم شتائي بارد، وتتناول اطراف الحديث مع صديق عزيز ويدخل عليكما فجأة رجل مختل العقل ومبلل من أعلى رأسه الى أخمص قدميه. يقف امامكم دون أن يتكلم ثم يجول في كل اركان المحل متمعناً في الصور والملصقات المعلقة على الجدران ويتمتم مع نفسه...

هذا ما وقع لي فعلاً حيث كنت مع صديق عزيز في حديث شيق ومهم بالنسبة لنا.. قطعنا حديثنا وبانتظار مفاجأة غير متوقعة.. الا أن صديقي صاحب المحل استغل براءة الرجل المسالمة التي تطغى على الجانب الوقح والشرير في مثل هذه الاوقات الهادئة، واسعف الموقف وبادره بالسؤال:

- يا ناظم، ما الجديد في هذه الدنيا؟

اجابه ناظم بكل هدوء ومؤشراً باصبعه الى القطعة الخشبية الصغيرة المعلقة على الواجهة الزجاجية للمحل:

- يا رمزي، لماذا علقت هذه القطعة هنا؟

أجابه رمزي موضحاً:

- تعليق القطعة اسلوب استدلالي حضاري، تستخدمه المحال ذات الواجهات الزجاجية لتسهيل أمر الزبائن في التعريف على أن المحل مفتوح او مغلق.

اجابه ناظم باستغراب:

- واذا كان الزبون امياً؟

- نحن كتبناها للمثقفين

- لكن أكثر اهالي القضاء أميون لا يعرفون القراءة والكتابة، أما المثقفون الذين تبحث عنهم يا عزيزي، فإنهم غالباً ما يسافرون الى المحافظة او العاصمة، ومن هناك يلتقطون صورهم في أرقى الأستوديوهات. ..صح النوم يا حبيبي!.. واحتراماتي الى زبائنكم الأميين، كيف يكون موقفهم من هذه الظاهرة الحضارية؟

أذهلنا ناظم بتعليقاته التوضيحية التي لم نتوقعها منه ابداً، فما كان من صاحبنا الا الأنسجام مع حديث ناظم واستوضح له الأمر بأختصار:

أنهم يتحملون مشقة الأختبار، فاذا لم يفتح لهم الباب الزجاجي، يعرفون تلقائياً ان صاحب المحل في الخارج، وأنه سيعود عن قريب لأن الباب الرئيسي المصنوع من الصفيح مازال مفتوحاً.

فاجابه ناظم بارتياح بالغ وكأنه وصل الى النتيجة الحتمية:

- وأنا، أيضاً، مثل محلك الجميل، علقت على رأسي قطعة مكتوب عليها (مغلق)، لكن الناس الأميين من أمثالك الأفاضل لا يعرفون قراءة الأفكار، فيحسبون ان باب التفكير مفتوح على مصراعيه، ويتبادرون الى فتحه بهذه الأسئلة السخيفة!!...

ذهب ناظم في حينه ولكن سخافة الأميين ماتزال عالقة في ذاكرتي استحضرها في حالات كثيرة واستخدمها، اذا تطلب الأمر، كمقياس لسلوك شخصيات على شتى انواعهم عندما اصادفهم في مجرى الحياة اليومية. وكم من شخصية كبيرة ومرموقة تتباهى بعنجهيتها وتحاول الدخول عنوة في أبواب كتب عليها (مغلق رجاء). وكم من ابواب اخرى علقت عليها قطع مزينة وجذابة ومكتوبة باروع انواع الخط وبلغات عدة، لكن لا يكلف أحد نفسه حتى بالتفاتة بسيطة، ليعرف ماذا تعني كلمة (مفتوح)؟

 

بۆچوونا خۆ بنڤیسه‌

بۆچوونا خۆ بنڤیسه‌

بابه‌تێ به‌رێ بابه‌تێ دهێت