على أمواج
الصراحة:
خيوط
التباعد الثقافي بين الجمهور والمثقفين
لا تستغرب،
فالامر لا يدعو الى الاستغراب..!! ماذا لو اعتذر مريض ولم يلب طلبك في حضور حفلة
رقص؟ لا يأخذ بك الدهشة حتى لو اهديته سيارة فخمة لاستخدامها، وبقي يعتذر، وفرت له
بيتا مريحا، وبقي يعتذر .هيأت له كل ما تشتهي النفس وظل يعتذر ..لا تكلف نفسك كل
هذه المتاعب .فالوضع لا يتطلب الدهشة او الانزعاج .انه مريض يحتاج فقط الى طبيب
يوفق في مهمته العلاجية
...
عندما يشفي
المسكين وتتجاوز أيامه فترة النقاهة، حينذاك لا تتردد في محاولتك، انه مستعد ان
يلبي طلبك سواء بغمزة حب، او بابتسامة لطف او بكلمات رقيقة في بطاقة دعوة. إنه
مثال بسيط مبطن بفضولية مملة وغير واقعية، لكنه يوضح ما يفعله المثقفون- عندنا - هذه
الايام، وخاصة، الذين يبالغون في طروحاتهم ويلهثون وراء عقد الندوات وإلقاء
المحاضرات واقامة المهرجانات، وفوق ذلك يعاتبون الجمهور ويصفون الآخرين بالتخلف
والتقصير وعدم الاهتمام بنصائحهم، وتشمل نشاطاتهم جميع الجوانب الثانوية لثقافة
العصر، من الأدب الرفيع والاستطلاعات العلمية ..الى ان يصل الامر الى الفنون
الصغرى والجميلة ايضا. وكلما ازداد مفعول هذه العملية كما ونوعا، تتسع مساحة
التباعد، وتزيد الهوة بين الطرفين، بحيث تبلغ المسافة في بعدها بأن لا يسمع، بل لا
يعرف، الطرف الاول ما يدور في خلد الطرف الآخر ...هذا هو البعد الاستدراكي بين
الانتلجنسيا (النخبة المثقفة) وعموم الشعب في الاقليم. انه بعد شاسع يخضع الزمن
بين مقاييس عالم الالكترون الهائل التي تزداد أنظمتها دقة يوما بعد آخر وبين خطوات
(الصديق القديم) الذي يخذل صاحبه - دوما - في استخراج النتائج.
أرجو
المعذرة صديقي المثقف واستاذي العالم على هذا المثال البسيط، لأن اندهاش الفرد
تجاه صاحبه العليل يشبه عتاب المثقفين على مجتمعهم المريض تماما. القاسم المشترك في
الحالتين هو المرض
.
والواجب
الاساس على عاتق الطرفين هو العلاج. فاذا كان الطبيب هو الذي يستحق شرف المبادرة
في الحالة الاولى، فان علماء التاريخ والاجتماع ومن يعمل في حقليهما، هم من
يستحقون شرف المبادرة في الحالة الثانية .فكما كان صاحبك مريضا فسلجيا، فان مجتمعنا،
ايضا، مريض سوسيولوجيا. ويأن من وطأة الألم، ويحتاج قبل كل شيء الى تشخيص علاته، ووضع
اصبع الاصحاح على مواقع الوجع. انه عمل كبير يجب البدء به قبل كل شيء.
ومن منا لا
يعلم!! أن فهم الواقع الكوردستاني لا يتمحور إلا من خلال السياق التاريخي -
الاجتماعي. ومن منا لا يدرك تماما انه من الضروري جدا تكثيف كافة الجهود العلمية والادبية
والنشاطات الثقافية لصالح هذا الجانب المهم، الى ان يصح المجتمع ويأخذ عافيته، حينذاك
كل ما يطرح ضمن المعقول مرغوب .وعندها نضمن التطور السليم للسوسيوبوليتيكية
الكوردستانية. انها حقيقة يعرفها الجميع ماعدا جمهرة من المثقفين الذين سكرتهم
المغريات فتركوا الجوهر وتشبثوا بالقشور!
____________
الموضوع
مستل من كتابي الذي يحمل العنوان نفسه: ( على أمواج الصراحة ـ قصاصات صحفية حول
الفكر الكوردي المعاصر، مطبعة وزارة التربية، أربيل 2002، ص 19-21 ).

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه