الحقيقة
العابثة في حياة الكرد
هل ان قانون أي شىء هو الشىء ذاته؟ سؤال فيه شيء من
البديهية المسلمة لمن يتعمق في قضايا القانون، او لنقل من له إهتمامات في مجال حقوق
الإنسان، وفي الوقت نفسه فإن مثل هذه الاسئلة ليس لها معنى عند البعض الآخر وخاصة لمن
لم يتعب نفسه فيما لا يعنيه، او لمن يأخذ من صفة اللامبالاة منهجا سهلا في الحياة.
في الحالتين سواء أكان السؤال بسيطا في لامبالاته، ام معقدا في قوانينه.. فإنهما سيبقيان
في غاية الجد والاهمية لمن يهمه ضرورة وجود الإنسان.. وتحديدا لمن لم تستكمل انسانيته
ضمن اطار وطن لم تحدد فيه حريته بعد، وبقي معلقا بين سياسة دولة لا ترحم وإرادة مواطن
تحتقر الذل. وهذا هو المنعطف الخطير في حياة أي انسان يتمعن في جوهر الأمور البسيطة
ويراها في غاية التعقيد، حيث لا بساطة في الحياة لو أخذ أي جانب منها بمحمل الجد، وما
يراه البعض بسيطا فمن غير المستبعد ان تبنى عليه قواعد كبيرة تبدأ من تربية الطفل وتنتهي
بتحديد مستقبل امة. لنترك الطفل يرتاح في حضن امه، وندع الامم تجني ثمرة جهودها، او
تدفع ضريبة مواقفها المغفلة، ونعود الى لب سؤالنا البسيط والمعقد في الوقت نفسه: (هل
ان قانون أي شيء هو الشيء ذاته؟).
يتخاصم العالم في إختيار الجواب المناسب لمثل هذا
السؤال البسيط وينقسمون على محورين:
- محور يفقه
الحياة بأدق تفاصيلها، ويحاول عن طريق إختراعاته وإبتكاراته ان يستكشف عوالم جديدة
هو في أتم الحاجة اليها.
- محور غير مهذب
لا يأبه بغير السيطرة على الآخرين وإجبارهم على الاعتراف بأنه هو الأقوى وعلى
الآخرين إطاعته.
وهنا يأتي السؤال التالي الذي حير العقول دهرا: هل ان
عدم التهذيب مرحلة مؤقتة من التأريخ؟ أم انه التأريخ نفسه ومنه تأتي قوانينه التي ضاقت
بها الامم من الويلات، ويشتكي من كوارثها المستضعفون حيث نالوا من مصائبها القسط
الأكبر.
المحور الاول هو الحياة بسلاستها وعنفوانها ومجراها
الطبيعي، اما المحور الثاني فهو الحالة الاستثنائية والشاذة في اكثر مفاصلها
المشلولة، وعندما يفيق أحد المفاصل يعبث بكل ما هو إعتيادي ومنسجم وسوي، ويحاول
تعكير الاجواء ليثبت ماهيته، والتي في اكثر الاحوال لا تعني شيئا بالنسبة لما هو جدير
بأن يسجل في التأريخ.
وما بين المحورين حالات كثيرة أرادت ان تدخل
التأريخ من اوسع ابوابه، إلا انها لم تحظ بما يمكنها من ان تقف على رجليها لتقول كلمتها
وأصبحت حياتها حقيقة عابثة ولم تنل إعجاب أعز القريبين اليها، وفي تأريخ الكرد أمثلة
كثيرة على ذلك، نذكر منها حياة البطل الاسطورة سمكو شكاك والذي قام في سنة ١٩٢٢ بحركة
مسلحة في منطقة اورمية وسيطر على مناطق واسعة من كردستان ايران، ومما يذكر من مواقفه
الجريئة انه عندما دخل مدينة اورمية ذهب وجهاء المنطقة لملاقاته خارج المدينة،
استقبلهم سمكو كرهط واقفين وهو يتمشى أمامهم خاطبا فيهم بما كان ينوي عمله من أجل التحرير،
واعدا فيهم بالتهديد لمن يحاول الوقوف بوجه مشروعه الوطني او يتعاون مع الاعداء.. واثناء
خطابه هذا دخلت حية كبيرة حيث تشتهر المنطقة بثعابينها السامة صفوف الواقفين وعكرت
جو الإصغاء ومرت من جانب سمكو، الا ان سمكو لم يأبه بذلك بل التقط الحية بحركة
سريعة واستمر بخطابه دون أن يفسح المجال لاحد أن يشوش على كلماته، ما ان مرت دقائق
حتى لاحظته الجموع بان سحنة وجهه قد تغيرت وعض على شفته السفلى وهو مستمر بالكلام
وبحركة سريعة ايضا رمى الحية ارضا وداس على رأسها وقتلها وسحب خنجره وبتر الجزء الملدوغ
من يده.. وكان ينزف الا ان أتم خطابه ووضع كل شيء في محله بالاتفاق مع المستقبلين،
وكان الجرح ضمن هامش اهتماماته القيادية آنذاك. كانت الحادثة محل ادهاش الحاضرين وتناقلتها
الاجيال ضمن البطولات الكثيرة لهذا الجبلي الذي لا يهاب شيئا، شفاها إلى ان سجلتها
جريدة كردستان في عددها الثالث والصادرة في مهاباد يوم ١٥ كانون الثاني من عام (١٩٤٦)..
اراد سمكو ان يدخل التأريخ من باب الحرية لا كقائد عسكري بل كثائر ضد الظلم وطغيان
جبابرة عصره الذين عجزوا عن النيل من سلطته على المنطقة، ما استدرجوه للمفاوضات،
وهناك في خيمة المفاوضات في مدينة (شنو) فاجؤوه بالمكيدة وغدروا به واستشهد مع
المجموعة الوافدة معه للمباحثات، ومن شدة حقد نظام رضا شاه مثلوا بجثث الشهداء ولم
يعرفوا جثة سمكو الا من خلال اثر الجرح الذي بتره هو بنفسه اثناء لدغة الحية.
ظهر من بين الشعب الكردي نماذج كثيرة من أمثال سمكو،
الا ان كثيرا منهم اصبحوا ضحايا الغدر والمكائد التي تدبر لهم سواء ممن لا يريدون للكرد
خيرا ام من بعض الكرد أنفسهم، ومن هنا لا نستطيع ان نصنف هذا الشعب ضمن شعوب راقية
لكنه غير محظوظ، او ضمن شعوب غير راقية لكنه يخسر دوما مع شعوب محظوظة، لان المعادلة
تدخل في تصنيف آخر وهو ان هناك أمما مهذبة واخرى غير مهذبة ويحمل الكرد هوية الصنفين
ولكن الاول هو الأرجح.

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه