الفوضى المنضبطة في ثقافة الحدود
(1)
كانت سنوات (1985- 1988) مرحلة صعبة جداً بالنسبة للمنطقة المحررة من بادينان، والتي كانت تشتمل آنذاك على معظم المساحة الريفية لمحافظة دهوك ولقسم من الجزء الشمالي لمحافظة نينوى حسب التقسيم الاداري المرسوم جغرافياً في حينه.
في تلك الفترة سحبت الحكومة العراقية مالها من مؤسسات صحية وتعليمية وخدمية اخرى من المنطقة، وأخذت تدار من قبل المؤسسات العسكرية والادارية للثورة الكُردستانية والتي لاقت صعوبات كبيرة ولكن في الوقت نفسه كانت تجربة مفيدة ورائدة أثمرت نتائجها بعد انتفاضة .(1991)
من كبرى تلك الصعوبات كانت المنطقة تلك مغلقة عن محيطها الخارجي حيث تراها الحكومة العراقية منطقة محرمة يقتل كل من يسكنها، ويحرق كل ما يزرع فيها. وعلى ضوء هذا المبدأ تعاملت اجهزة الحكومة الرسمية والحزبية مع المنطقة بكل شراسة. وماعدا تطبيق الاحكام العرفية العسكرية والتعامل المخابراتي القاسي، طوقت المنطقة بحدود خارجية لفصلها عن العالم الخارجي وحدود داخلية ترصد كل التحركات التي تجري فيها، ومراقبتها جواً من قبل طائرات (بلاتوز) السيئة الصيت حيث كانت تحلق في ارتفاعات عالية، ترصد المنطقة ماكثة في نقاط قلما ترى بالعين المجردة وتصيب اهدافها بدقة. كان يعتقد أنها سويدية الصنع تم استيرادها خصيصاً لمحاربة الكُرد، وهكذا كانت اسماء دول مثل النمسا بمدافعها الثقيلة وروسيا بدباباتها واسلحتها الخفيفة والسويد بطائراتها المراقبة.. أسماء مكروهة ومهينة عند اهالي المنطقة.
في تلك الحدود الخارجية والداخلية تحصنت القوات الحكومية، وتجرى المناوشات القتالية مع قوات البيشمركة باستمرار وخاصة عندما تحاول ان ترعب الاهالي وتمنعهم من العمل في حقولهم، وعلى أثرها تحاول البيشمركة معاقبتها بضرب معاقلها وتكبيدها اكبر الخسائر.
كانت الحدود تبدأ مع الشارع الدولي الذي يدخل العراق من الحدود التركية في ابراهيم الخليل ماراً بمركز قضاء زاخو- سميل ثم يتفرع منه بشارع شبه عسكري بموازاة سلسلة جبال زاوا ـ سبى- آكرى... الى ان يصل نهر الزاب الاعلى عند نقطة مشروع سد بيخمة المقترح انشاؤه.. كان هذا الخط البري هو الحدود الغربية والجنوبية للمنطقة المحررة ومحصنة بربايا ونقاط عسكرية منتظمة وثابتة، اما من الشمال فكانت الحدود التركية محكمة غير قابلة للأجتياز الا ما ندر، حيث يجازف المحترفون في اجتياز الخطوط المنيعة، وان حدثت فاكثرها محاولات غير رسمية وفردية ... وفي الجهة الشرقية أي ماوراء نهر (رويشين) التابعة لمحافظة اربيل فهي مناطق مهجورة ومرحلة ومراقبة من قبل الحكومة العراقية ايضاً، لاتستفاد المنطقة منها الا عند استعمالها كخط مرور الى الحدود الايرانية والتي تبعدها مسافة يومين مشياً على الاقدام حيث هناك مقرات قيادة الثورة.
ماعدا هذه الحدود الخارجية، كانت هناك حدود داخلية ايضاً، فمن الخط الغربي والمقوس جنوباً، يتفرع منه خطان متوازيان:
أحدهما، من نقطة (زاخو) فناحية (باطوفا) ويستمر بموازاة الحدود التركية الى ان يصل ناحية (كاني ماسي) مركز عشيرة برواري بالا.
أما الخط الثاني، فكان يتفرع عند نقطة مركز محافظة دهوك ويستمر شمالاً ماراً بنواحي زاويته- مانكيش- سرسنك – قضاء العمادية- ناحية ديرالوك- وأخيراً مجمعي شيلادزي و سيرى عند التقاء نهري رويشين والزاب الاعلى.
كانت هذه الحدود الداخلية التي تشبه خيوط العنكبوت مخيفة بالنسبة لأهالي المنطقة المحررة ومعيقة لتحركاتهم ومقيدة لاتصالاتهم. لأنها كانت محصنة بربايا عسكرية تشرف على المناطق المحيطة بها وما يبعد عنها بمئات الامتار تعتبر مناطق محرمة ويطبق عليها الاحكام الصارمة من قبل اجهزة متعددة المسميات من وحدات عسكرية وقوات أمن وشرطة محلية ومفارز خاصة وسرايا مرتبة وافواج خفيفة ومجموعات موالية للحزب الحاكم... وكل منها تبحث عن فريستها لو حالفها الحظ ورأت أحد المغلوبين على أمره لو اجتاز تلك الحدود قصداً، او تاه في دهاليز من دون معرفة.
وبين هذه الخطوط الاخطبوطية مناطق شاسعة كانت في الأيام الخوالي عنوان المجد الوطني ومصدر المنتوجات الزراعية والحيوانية حيث تمول المدن العراقية وحتى دول الجوار بالفواكه والعسل والملح والمواشي، الا أنها اصبحت في تلك الفترة منطقة محرمة ومحروقة.. فأنشطرت كل قرية الى مجموعات صغيرة من العوائل تشبثت بسفوح الجبال وبواطن الوديان رافضة الاذعان لأوامر الحكومة بترك موطنها والنـزوح الى مراكز المدن والمجمعات القسرية التي شيدت لإسكان سكان القرى فيها عنوة، والتي كانت أشبه بسجون كبيرة قابعة في أحضان الحدود الداخلية للمنطقة... ومن هنا تبلورت ثقافة الحدود والتي قلما يعرف أحد شيئاً عن أسسها ومقوماتها وسماتها وآفاقها لانها بقيت مادة خامة لا تحظى بالدراسة والتحليل والمتابعة وكأنها سحابة خريفية أتت من دون استئذان ومرت من دون توديع.
(2)
سادت ثقافة الحدود منطقة بادينان المحررة خلال السنوات الثلاث التي سبقت آخر حملات الانفال في اجتياح القوات الحكومية الكبيرة للمنطقة في الفترة مابين 25/8- 5/9/1988، أي بعد (18) يوماً من توقف الحرب العراقية الإيرانية في 8/8/1988 وتوجيه مسار العمليات العسكرية من الخط الإيراني الى خطوط المواجهة مع الجبهة الكُردستانية.
اتسمت ثقافة الحدود – التي نحن بصددها- بأسس جوهرية منها: محبة المواطنين للثورة المنبثقة من صميم شعورهم الكُردستاني وكرههم الشديد للحكومة نتيجة احساسهم بالأضطهاد القومي وربما كانت هذه الحالة رد فعل لما ارتكبته مؤسساتها العسكرية وشبه العسكرية من جرائم وفضائح ضد المواطنين العزل في حدود تلك المنطقة، او ما يتعدى تجاوزاتهم غير القانونية الى خارجها وتصل الى من لهم صلة قرابة بسكان المنطقة سواء من كانوا داخل السجون والمعتقلات ام المبعدون الى المناطق الوسطى والجنوبية، أم من تلاحقهم أجهزة الأمن في المدن والمجمعات الخاضعة تحت سيطرتها، والتي كانت تتفنن في اساليب تضييق الخناق عليهم، وتحد من الحريات الأساسية الى حد التلاشي التام، وتنتهك الحقوق الى ما وراء الاخلاق والأعراف.
وفي الطرف الآخر من الصراع كان المواطنون يتعاطفون مع الثورة، ويكنون لها كل الحب والمودة بسبب ما تقوم به من دفاع مستديم عن الحقوق المدنية للمواطنين، وتناضل جاهدة من أجل توسيع مساحات التقدير والانسجام بين اهدافها في التحرير وبين آمال الناس في العيش الحر الرغيد.
بين هذين القطبين من الحب والكره... كانت الظروف المعيشية في هذه المنطقة قاسية جداً، وأقساها على الاطلاق هي حياة الطفولة البريئة التي حرمت من كل ما هو متوفر لباقي الاطفال في المناطق الأُخرى من البلاد، طالبت جماهير المنطقة من القيادة الثورية التي تديرها عسكرياً وادارياً، بفتح مدارس لاطفالهم وعدم حرمانهم من حق التعليم، وتكفلت بالتعاون والمساعدة وتحمل التبعات بالرغم من الظروف الصعبة والأمكانيات القليلة.
كان المطلوب مقبولاً والموافقة امراً طبيعياً، لانهما تعبير عن تحد كبير لتلك الظروف وعدم الاستسلام لواقع الامكانيات الشحيحة، وهكذا ترجمت الموافقة الى عمل اجرائي منظم وأصدر الفرع الاول للحزب الديمقراطي الكُردستاني أمراً بتشكيل لجنة تربوية عليا تكون من ثلاثة اعضاء احدهم من الحزب والاثنان الآخران من اتحادي الطلبة والشبيبة الكُردستانيين ومقرها في الفرع في كلي زيوه شكان على الزاب الاعلى.
في الاجتماع الاول للجنة التربوية العليا، تم اقرار تشكيل لجان فرعية في مقر كل لجنة محلية للحزب لكي تكون الحلقة الوسطى بين ادارات المدارس واللجنة العليا وفي الوقت نفسه مسؤولة عن الاشراف المباشر على سير عملية التعليم في حدود منطقتها التي كانت على مستوى القضاء ادارياً، كانت المهمة غير سهلة ولا تخلو من المخاطر الا أن روح المقاومة التي تبناها البيشمركة والمواطنون آنذاك ذللت المصاعب وجعلت من عملية التعليم هدفاً يسعى إليه الإنسان بكل شوق وحرارة، وكانت المبادرات تأتي من كل صوب ومكان من خريجين متلهفين للخدمة طوعاً، ونساء مثقفات يتبرعن بما لديهن من خبرة ودراية لانجاح العملية، وبيشمركة يرون النور في أفق تأسيس المؤسسات المدنية، واطفال ينتظرون فتح ابواب المدارس وآباؤهم يستعدون لتقديم الدعم والمساندة.
وأنا شخصياً تعلمت من تلك المبادرة: أن ارادة الإنسان وتطلعه نحو الابداع سبيل ممهد لاستثمار ما قل وندر ليخلق منه ما كثر وكبر، والعكس غير وارد في حسابات من يناضل من اجل الحرية.
(3)
أعطت القيادة السياسية في منطقة بادينان صلاحيات واسعة للجنة التربوية العليا التي كانت تشرف على المدارس في المناطق المحررة. ولم تحدد لها خطوط العمل، بل أبدت دعمها الكامل مادياً ومعنوياً لانجاح تلك العملية مهما بلغ الثمن، وذلك من أجل تقليص المسافات بين حقوق الاطفال في التعليم وحدود واجبات الكبار في الحياة.
أعدت اللجنة التربوية العليا دراسة وافية وشافية عن الواقع الثقافي بشكل عام والحالة التربوية المغيبة بشكل خاص في المنطقة، وحددت فيها الاهداف المرجوة من العملية المقترحة، ومبيناً معها الخطوط العامة للطريقة التي يتم فيها فتح المدارس في كل منطقة، لأن التحديات الكبيرة تفرض التنويع في التخطيط، والتأقلم في التطبيق والتكيف مع مفاجآت سير المجريات اليومية التي تفرزها الظروف الآنية والمباغتة من دون مقدمات، وفي خضم تلك التوقعات حاولت اللجنة المذكورة جاهدة ان تتمكن من ترجمة برنامجها النظري الى عمل مهني ـ تطبيقي- يومي يستوعب فيه سياق المسيرة التربوية والتثقيفية في المنطقة. والى جانب تحديد الأهداف، سعت اللجنة الى ان تجعل من تلك المدارس صروحاً ثقافية وبؤر للتوعية الجماهيرية وخاصة من ناحية المحافظة على البيئة الطبيعية التي أفرطت الحكومة العراقية بكل خصوصياتها الانتاجية، وكذلك الاهتمام بالأمور الصحية وتوطيد العلاقات الاجتماعية على ضوء المواطنة، حيث كان الولاء للقضية الكُردستانية فوق كل اعتبار، وهو ما تحاول الرسالة التربوية ان ترسخها في حياة الجيل الجديد.
في البدء كان عمل اللجنة يشمل المناطق التابعة في حدود لجنتي آميدي (العمادية) وكولان (منطقة نيروه وريكان)... وتمت تسمية اعضاء اللجان التربوية الفرعية فيهما، وعلى ضوء ما هو عليه في اللجنة التربوية العليا. كانت الخطوة الثانية تتركز على الجولات الميدانية في القرى وإقامة الندوات وجرد عدد الاطفال المشمولين بالدراسة، وكذلك عدد المعلمين او الخريجين الذين تتوفر فيهم شروط التدريس في كل قرية، (تم توثيق هذه التجربة من قبل كاتب هذه السطور وباللغة الكُردية في كتيب طبع مرتين، الاولى في مطبعة خبات ـ الجبل 1989، والثانية في مطبعة وزارة التربية – أربيل 1999).أكتمل جرد القرى المتباعدة فيما بينها والمتناثرة بيوتها على نفسها خلال صيف 1987، وصدر قرار بتعيين المعلمين بمن فيهم مدراء المدارس وبلغ عددهم (63) معلماً في (21) مدرسة، وتمت تسمية كل منها بإسم مستوحاة من جغرافية الوطن ومراحل تأريخه النضالي حباً لكُردستان وتقديراً لرجالاتها المخلصين.
خلال هذه الفترة القياسية (حزيران – تموز 1987) تم تدريب وإعداد المعلمين والمديرين حسب منهج تم اعداده وطبعه وتوزيعه على ادارات جميع المدارس وحسب عدد المعلمين في كل منها، واكتمل تحضير المستلزمات الدراسية حسب الامكانيات المتاحة وفي حدود المستطاع، ولم يعلن يوم بدء الدوام الرسمي في تلك المدارس التي استقبلت تلاميذها خلال شهر أيلول – 1987، بل حددت إدارة كل مدرسة يوماً يلائم طبيعة ظروفها الخاصة، وكان يحتسب دوام السنة الدراسية (1987- 1988) من يوم المباشرة في كل مدرسة على حدة .. وهكذا ينتهي العام الدراسي في كل منها حسب إتمام المدة المقررة وهي تسعة أشهر حيث تحددها إدارة المدرسة أيضاً وضمن حدود شهر حزيران من عام 1988، ومن أجل انجاح العملية التربوية، كان مجلس إدارة شؤون كل قرية مكلفاً بتخصيص مبنى إعتيادي للمدرسة وابداء كل التعاون مع إدارة المدرسة، وغالباً ما كانوا يختارون مكانين او أكثر للدوام، وذلك لتفويت الفرصة على القوات الحكومية من معرفة مكان تجمع الاطفال والمواقع البديلة للمدارس التي كانت في تناوب مستمر، خوفاً من انتقام القوات الحكومية التي كانت تعتبر أي شخص موجود في المنطقة المحرمة في نظرهم هدفاً عسكرياً يجب ضربه، ويزداد سخطها الانتقامي لو كان الهدف تجمعا، وهيهات ان كان التجمع مصدراً علمياً يرفد الوعي الوطني الكُردي في حدوده القصوى وتشع منه روح التحضر.
(4)
تعتبر البناية المدرسية ركناً أساسياً في العملية التربوية في كل زمان ومكان ،لأنها البوتقة والملاذ الطبيعي لتجميع وإنجاح مكونات عمليتي التعلم والتعليم وتثبيت دورهما في ضبط التناسق الثلاثي بين التلميذ والمعلم والمنهج الدراسي، لكن توفير بناية المدرسة في ظروف غير طبيعية كالحالة التي كانت تمر بها المنطقة المحررة ـ او المحرمة ـ ( كما يحلو للبعض تسميتها) من بادينان خلال تلك الفترة، فالقرى التي انشطرت الى مجموعات من البيوت المتناثرة تحاول أن تختفي في كنف الادغال الكثيفة او بين الصخور العملاقة لتحمي نفسها من موت محقق، كانت القوات الحكومية ترصد المنطقة وتقصف أية نقطة لو تبين دليل على وجود الحياة فيها. ومن أجل حماية الأطفال كانت لكل مدرسة ملاجيء قريبة ملحقة بها ومحفورة بشكل جيد تقي التلاميذ من أي حادث طاريء.
أبدع أهل القرى في إختيار أماكن تلائم أن تكون مدارس لأطفالهم وجل إهتمامهم يتركز على الجانب الأمني دون غيرها من الشروط الصحية والعلمية . من تلك النماذج التي سجلت ملاحظاتي عنها في حينه و بقيت عالقة في ذاكرتي :
ـ في قرية سيكيري التابعة لمنطقة نهيلي ـ قضاء آميدي (العمادية) ، اختار أهالي القرية كهفاً أثرياً يشبه غرفة منتظمة الجدران وسط غابة كثيفة لايظهر للعيان إلا إذا وصل الإنسان الى فوهته وجهاً لوجه. أجهد الأهالي في ترميمه وجعله بالشكل الذي يشبه قاعة معدة للتدريس.
كان التلاميذ ـ في هذه الغرفة ذات الملامح الغريبة ـ يجلسون على مصاطب صغيرة وضعت بعكس إتجاه حزم ضوء الشمس المتسللة اليها من المدخل الذي يعتبر باباً و شباكاً في آن واحد.
أما في قرية ( هورة ـ منطقة ريكان) والتي تقع في واد عميق بين جبال شاهقة وكثيفة الغابات حيث يصعب رؤية الأرض من خلال أشجارها العملاقة. أستغل الأهالي هذه البيئة الملائمة وبنوا لأطفالهم مدرسة من ثلاث غرف منتظمة الأبعاد، ذات شبابيك كبيرة تتوفر فيها جميع الشروط الصحية ولها ساحة متواضعة تستغل للإصطفاف الصباحي والألعاب الرياضية وكذلك النشاطات اللاصفية... لم يقتصر هذا العامل الجغرافي الحسن في هذه القرية فقط، كانت عينات أخرى من هذا القبيل تقبع هنا وهناك كما الحال في قرية ( بيدة) في أقصى منطقة ريكان، وقرية (شط يونس) على ضفاف نهر رويشين في منطقة دوسكي زوري، وكذلك قرية (سركلي) في منطقة نهيلي أيضاً...(كانت هذه العينات القليلة من المدارس تشكل مجموعة ذات خصوصية إستحقت الوقوف عندها مما دفعني الى إعداد دراسة مستفيضة عن هذه التجربة في حينه).
في قرية (زليي) الواقعة في الوادي المنحدر نحو نهر الزاب الأعلى، كانت المدرسة تتكون من ثلاث مجموعات متباعدة من البيوت، لذا كانت إدارة المدرسة مع صف واحد من التلاميذ في المجموعة الكبيرة وفي كل مجموعة أخرى صف واحد تشرف عليهما الادارة عن بعد، وكانت هذه تجربة فريدة أخرى لم تشهدها المنطقة سابقاً ـ فرضتها الظروف الأمنية القاهرة ـ حيث كان من المعمول في هذه الحالات أن تكون المدرسة في القرية الكبيرة و يذهب اليها التلاميذ من القرى الصغيرة المجاورة لها.
كانت بناية المدرسة في قرية (هيش) التابعة لمنطقة ريكان والمحاذية للحدود التركية عبارة عن هيكل قديم لطائرة هليكوبتر وهو من مخلفات العمليات العسكرية المتروكة منذ السبعينيات. والهيكل يشبه غرفة صغيرة و قد سدت منافذها المكسورة بالنايلون و صنع له باب خشبي مشدود بحبل كي يسهل فتحه وغلقه، أما مصاطب الجلوس فكانت من صنع اولياء أمور التلاميذ أنفسهم...كان التناسق بين بناية المدرسة وحماس المعلمين وشوق التلاميذ من العجب الذي يحير من يريد أن يتمعن في هذا الأمر المشتت بين الأسطورة والمعجزة.. كنت أعتبره في حينه شيئاً مهماً, أجزم في مرجعيته المؤثرة التي ستشغل ركناً أساسياً في الفكر التربوي الوطني فيما لو تبنته حكومة كُردستانية في المستقبل .
مرت (37) سنة على تلك التجربة البسيطة في مقوماتها والكبيرة في تأثيراتها، لكنها لم تحظ بإهتمام الوسط الكُردي المتنفذ لا من قريب ولا من بعيد، بل تاهت في دهاليز الفكر الكُردستاني المعاصر الذي يراوح بين تراث محلي مثقل خذله في السابق، و فلسفات غربية تهمله في الحاضر.
(5)
في البدء كانت القراءة هي الهاجس الذي يشغلني ويسليني، أحببتها منذ طفولتي، تمخض ذلك الحب، وفي تجلياته أفرزت دلالات لم تكن مفهومة لي آنذاك، استمر المسير نحو المجهول وأدمنت فيه على المطالعة التي سيطرت على جوارحي كلياً، تولد فيها كائن غريب وأليف، أستسلمت له طوعاً، أناجيه في الخلاء حيناً وفي العلن حيناً آخر، وبدأ يفهمني ويداعبني كأنه حيوان راق يعمل حسب ما أملي عليه من إشارات وايحاءات ومن ثم جملٍ أصبحت فيما بعد لغة أخاطب بها بني البشر بصمت ومكتفياً بأقل ما يمكن من كلمات... وحينئذٍ بذكراها، ويصعب علي تفضيل إحداها على الأُخرى، ولكن ما تفتح به شهيتي التعبيرية، تمثَّل في تلك اللمسات الرقيقة التي كانت تدللني في خضم عنفوان حياة الجبل أيام الثورة الكُردستانية الأخيرة في العقد الثامن من القرن الماضي.
كانت الكتابة تهزني من الاعماق، احتفظت بالشيء الكثير من وريقات تلك الفترة وهي مسجلة في دفاتري التي تمنحني الطمأنينة في أحلك الظروف وتعلمني حب الحياة مهما بلغت الصعاب، وتجبرني على احترام الآخر حتى وان وصلت عنجهيته حد التجاوز المهان.
تاهت بعض من تلك الكتابات في دهاليز عمليات الأنفال المظلمة عام 1988، ولكنني مازلت أشم عبق رائحتها الزكية لحد الان، وخاصة تلك الكلمات التي كنت أحررها في سجل الزيارات الموجودة في إدارات مدارس الثورة أثناء زياراتي لها ضمن واجبي الرسمي آنذاك.
كانت تلك الكلمات خلاصة فكر أتقن طريقه الى التطبيق بكل دقة.. حيث كان عطاء المعلمين أكثر مما تدربوا عليه، واستيعاب التلاميذ اكبر من المتوقع، وانسجام إدارات المدارس مع أهالي القرى ومجالسها المنتخبة أحسن من المعتاد.. وبشكل عام كانت العملية التربوية تسير كالنهر الجارف سالكة طريق الأمل المنشود.
لم يكن من السهل، ان تخضع مثل تلك الحالات الى عمليات التقويم والمقارنات.. لكن الفكر الذي كان يقتادني الى أفق المستقبل يلزمني ان أشارك في تلك الطقوس الكتابية، والتي كانت بدورها ترشدني الى عالم العلم والعمل وأثناء زياراتي المتكررة لتلك المدارس كنت أرى نفسي في كل مرة أترك محطة فخر وفي الوقت نفسه أحاول الحصول على تأشيرة دخول لمحطة مجد أخرى وأسعى إليها بكل شوق وحماس.
في جولتنا الإشرافية الثانية في منطقة (دوسكي زوورى)، زرنا مدرسة دياربكر في قرية (نيروه سيتو).. كان كل شيء على خير ما يرام و كان مستوى التعليم جيداً وسجلات الإدارة المدرسية منتظمة، واستطعت ان استغل فرص لا بأس بها للاستماع الى أحاديث بعض أهالي القرية، وخاصة فيما يتعلق بالتراث الثر لماضيهم البعيد والقريب.. حيث كانت القرية مركزاً إدارياً لمنطقة واسعة أيام عهد الدولة العثمانية، ومن رجالات القرية المشهورين آنذاك (سيتو الهورماري)، الذي بقيت مناقبه متعلقة في ذاكرتهم كما تشهد على ذلك آثار قصره الفخم في أرض الواقع.
لم تدم الرحلة في هذه القرية طويلاً، كان علينا الذهاب في اليوم الثاني لزيارة قرية زيوه القريبة منها والواقعة في الطرف الثاني من المضيق الجبلي الذي يشرف على بساتين (نيروه سيتو) الممتدة في الوادي الملتوي حولها.
وصلنا قرية زيوه في وقت مبكر، وكان علينا التحدث مع مجلس القرية لغرض فتح مدرسة ان تطلب الأمر ذلك، لكونها قرية صغيرة وقد تم تعميرها قبل أشهر.
جلسنا تحت عريش مفروش استند سقفه على أربعة مساند ثلاثة منها خشبية والآخر احد الأعمدة الكونكريتية المنتشرة على مسافات متناسقة في طول الوادي كدلالات على رسم الحدود الدولية بين العراق وتركيا.
وبينما كنا مشغولين بتسجيل المعلومات، لاحظت رهطاً من الجنود على سفح الجبل المقابل يتسلل مثل مسيرة نمل نحو الأسفل باتجاه القرية.
انتبه المضيف على ما لاحظته وارتبك بعض الشيء، لكنه استجمع قواه وتبين عليه انه يستذكر مثل هذه المشاهد في معظم الأيام وطمأننا بأن الرهط ليس له علاقة بما يجري داخل حدودنا.. كان يسرد ما يجول في مخيلته من أمور طارئة ويرفع أقداح الشاي الموجودة أمامنا ويحولها الى الجهة الأُخرى من مضيفه، وبكل أدب واحترام طلب منا ان نغير أماكن جلوسنا الى الطرف المقابل، وتمتم مع نفسه: لماذا نعطيهم مبرراً كي يحاسبوننا كوسطاء في انتقال البيشمركة الى الطرف الآخر من الحدود، فأجبته وكأنني أسدل الستار عن قضية مرهقة: ويا عجباه لحدود تفصل مضيف البيت الواحد الى عالمين مختلفين ولا يلتقيان الا في قلب الشعب.

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه