ما رأيته في دموع الشاعر
كان صبري بوتاني (1925- 1998) شاعراً رقيقاً في دواوينه الثلاثة: (شين وشادي- الحداد والوداد)، (دلستان- بلاد القلب)، (ده نكي مَتين وجودى- صوت متين وجودي) والتي تحتل مكاناً مرموقاً في المكتبة الأدبية الكُردية.
امتلك الشاعر من الصفات الحميدة قلما تجتمع في شخصية وطنية مخضرمة مثله، حيث عايش في مسيرته الأدبية والنضالية الطويلة المأساة والويلات التي حلت بشعبه الكُردي في العهدين الملكي والجمهوري على حد سواء.
ومن تلك الصفات التي جعلته محل ثقة اجيال عاصرته هي: التواضع الى حد الزهد، والجرأة التي تحسم مواقف التحدي، والصدق الى ما فوق مستوى اليقين... لذلك كنا- في حينه- نعتز بأخلاصه، ولا نراه مثالاً يحتذى فقط، بل نعتبره طاقة معنوية في شد عزيمة شرائح واسعة من الشباب المتعطش للحرية، وخاصة في العقدين السابع والثامن من القرن المنصرم. أما هو فكان يفتخر بهذا الدور ويؤديه بجدارة ومن خلاله يقدم خدماته بسخاء.
في احدى الجلسات الشيقة التي حظيت بها اثناء لقائنا في بيته المتواضع في بغداد، طلب من ابنه ان يعزف لنا معزوفة موسيقية تفوح منها رائحة الجبل. وبعدها تكلم باسهاب عن جمال وروعة مدينة آكري (او عقرة كما تلفظ باللغة العربية) ومعالمها الأثرية... وسألته عن سبب تعلقه واعجابه بتلك المدينة، أهي مجاملة لكونها مسقط رأسي أم دغدغة استرجاعية لمشاعر شيخ يحن الى ذكرياته عاشها أيام نضاله السري هناك؟! فقال: لا هذه ولا تلك، بل حادثة بسيطة لامستها قبل ايام وجرحتني من الأعماق. فقلت له: هل هي سر دفين يضاف الى كنـز نضالك الوطني الغني، أم خبر اعلامي يختفي في ثنايا قصيدة لم تكتبها بعد.!؟ فقال: لا هذا ولا ذاك... وانما حديث عابر جرى بيني وبين فريق اعلامي لأحدى الدول العربية كان قد شارك ضمن وفد بلاده في مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في بغداد مؤخراً.... وعندما سألتهم عن انطباعهم حول العراق والمناطق التي زاروها في جولاتهم بعيد انتهاءالمؤتمر، أجابني أحدهم قائلاً: رتبت لنا الحكومة زيارة راحة واستجمام الى (الشمال)، رأينا جمال الطبيعة وتلذذنا بمناظرها الخلابة وجوها المعتدل... ولما سألتهم عن أحلى منطقة جذبت انتباههم هناك.. أجابني آخر: كانت المنطقة برمتها جميلة وجذابة واحلاها كانت مدينة عقرة ولكن مع الأسف سكانها اكراد!؟.
مثل هذه الأجوبة القصيرة عبارات صادقة تنم عن روح الكراهية والعجرفة لدى بعضهم وكم نتمنى ان لا تكون هكذا، ولكن ماذا نعمل مع الشريحة الشوفينية التي تبدي استياءها تجاه كل ما هو خارج دائرة نعراتهم القومية. أنهى الشاعر كلماته وأنا اقرأ في وجهه كتاباً تفوح منه رائحة المظالم والمنعطفات الخطيرة التي مر بها الشعب الكُردي خلال تأريخه الطويل. وبعد فترة صمت تمتمت مع نفسي: كيف حال الشاعر مع الذين ينظرون الى بني جلدته باشمئزاز ويضعونه في مقام من لا يستحق ان يعيش على ارض وطنه...!؟
ولما اردت تغيير مسار الحديث الى موضوع آخر، رأيت الشاعر العظيم منكمشاً على نفسه وفي مقلتيه دمعتان: احداها حسرة على تخلف شعبه والأُخرى تأسف على ما يتعرض له من ظلم وابادة.
كان صبري بوتاني (1925- 1998) شاعراً رقيقاً في دواوينه الثلاثة: (شين وشادي- الحداد والوداد)، (دلستان- بلاد القلب)، (ده نكي مه تين وجودى- صوت متين وجودي) والتي تحتل مكاناً مرموقاً في المكتبة الأدبية الكُردية.
امتلك الشاعر من الصفات الحميدة قلما تجتمع في شخصية وطنية مخضرمة مثله، حيث عايش في مسيرته الأدبية والنضالية الطويلة المأساة والويلات التي حلت بشعبه الكُردي في العهدين الملكي والجمهوري على حد سواء.
ومن تلك الصفات التي جعلته محل ثقة اجيال عاصرته هي: التواضع الى حد الزهد، والجرأة التي تحسم مواقف التحدي، والصدق الى ما فوق مستوى اليقين... لذلك كنا- في حينه- نعتز بأخلاصه، ولا نراه مثالاً يحتذى فقط، بل نعتبره طاقة معنوية في شد عزيمة شرائح واسعة من الشباب المتعطش للحرية، وخاصة في العقدين السابع والثامن من القرن المنصرم. أما هو فكان يفتخر بهذا الدور ويؤديه بجدارة ومن خلاله يقدم خدماته بسخاء.
في احدى الجلسات الشيقة التي حظيت بها اثناء لقائنا في بيته المتواضع في بغداد، طلب من ابنه ان يعزف لنا معزوفة موسيقية تفوح منها رائحة الجبل. وبعدها تكلم باسهاب عن جمال وروعة مدينة آكري (او عقرة كما تلفظ باللغة العربية) ومعالمها الأثرية... وسألته عن سبب تعلقه واعجابه بتلك المدينة، أهي مجاملة لكونها مسقط رأسي أم دغدغة استرجاعية لمشاعر شيخ يحن الى ذكرياته عاشها أيام نضاله السري هناك؟! فقال: لا هذه ولا تلك، بل حادثة بسيطة لامستها قبل ايام وجرحتني من الأعماق. فقلت له: هل هي سر دفين يضاف الى كنـز نضالك الوطني الغني، أم خبر اعلامي يختفي في ثنايا قصيدة لم تكتبها بعد.!؟ فقال: لا هذا ولا ذاك... وانما حديث عابر جرى بيني وبين فريق اعلامي لأحدى الدول العربية كان قد شارك ضمن وفد بلاده في مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في بغداد مؤخراً.... وعندما سألتهم عن انطباعهم حول العراق والمناطق التي زاروها في جولاتهم بعيد انتهاءالمؤتمر، أجابني أحدهم قائلاً: رتبت لنا الحكومة زيارة راحة واستجمام الى (الشمال)، رأينا جمال الطبيعة وتلذذنا بمناظرها الخلابة وجوها المعتدل... ولما سألتهم عن أحلى منطقة جذبت انتباههم هناك.. أجابني آخر: كانت المنطقة برمتها جميلة وجذابة واحلاها كانت مدينة عقرة ولكن مع الأسف سكانها اكراد!؟.
مثل هذه الأجوبة القصيرة عبارات صادقة تنم عن روح الكراهية والعجرفة لدى بعضهم وكم نتمنى ان لا تكون هكذا، ولكن ماذا نعمل مع الشريحة الشوفينية التي تبدي استياءها تجاه كل ما هو خارج دائرة نعراتهم القومية. أنهى الشاعر كلماته وأنا اقرأ في وجهه كتاباً تفوح منه رائحة المظالم والمنعطفات الخطيرة التي مر بها الشعب الكُردي خلال تأريخه الطويل. وبعد فترة صمت تمتمت مع نفسي: كيف حال الشاعر مع الذين ينظرون الى بني جلدته باشمئزاز ويضعونه في مقام من لا يستحق ان يعيش على ارض وطنه...!؟
ولما اردت تغيير مسار الحديث الى موضوع آخر، رايت الشاعر العظيم منكمشاً على نفسه وفي مقلتيه دمعتان: احداها حسرة على تخلف شعبه والأُخرى تأسف على ما يتعرض له من ظلم وابادة.

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه