هذا الكتاب
اللغة
الأدبية الکردیة
يتناول محتوى هذا الكتاب جوانب من سينتاكس اللغة الأدبية عبر المراحل المتعاقبة لتأريخ الأدب
الكُردي الذي يبدأ في منتصف القرن العاشر الميلادي باللهجة الكرمانجية الجنوبية
موفوراً بالنتاجات التي قدمها (بابا طاهر الهمداني 937 ـ 1010م) و (بابا سرهنك
دودانى 935 ـ 1007م). وثم يتوازى معها في القرن الحادي عشر باللهجة الطورانية ضمن أعمال رواده (ثير شاليار1006 ـ 1098) و
(شاه خوشين 1015 ـ 1074)، وفي القرن السادس عشر باللهجة الكرمانجية الشمالية ضمن
أعمال رواده (علي حريري 1530 ـ 1600) وفقي تيران (1563 ـ 1641) و ملا أحمد الجزيري
(1567 ـ 1640)، وفي القرن التاسع عشر باللهجة الكرمانجية الوسطى ضمن أعمال رواده
(نالى 1800 ـ 1877) سالم (1805 ـ 1869) و كوردي (1812 ـ 1850). وهكذا يستمر الأدب
الكُردي في تطوره باللهجات الأربع لتتكامل أنواعه وأجناسه وفنونه ويصل الى ذروة
عطائه الإبداعي في النصف الثاني من القرن العشرين.
دخل الأدب الكُردي الألفية الثالثة من تأريخه
المثقل بآهات كُتابهِِ ومأساة شعبه من دون أن تتوحد لغته في بنيان حضارة ناهضة، أو
تصقل كلمته المستقلة ضمن سياق منزاح للنصوص المعبرة باللهجات الأربع (الكرمانجية
الجنوبية، الطورانية، الكرمانجية الشمالية، الكرمانجية الوسطى). لكل لهجة بدايتها
وتراثها المدون والشفاهي وجل سعيها أن تنساب في ثقافة نيرة تجمع تلك الروافد في
بؤرة جذابة لعقلنة المواهب وأنسنة العطاء الفني المختلف في الأسلوب والمتشابه في
الصميم ليلتقيا في صدق النوايا وحرص الولاء المؤول أصلاً بين الإحساس الواعي
للأديب وإثارة العاطفة المخيلة لمن يروق له جمال الطبيعة و محبة الإنسان.
مابين الجمال والمحبة تدرجت لمسات رقيقة من
الأسلوب الشيق بين مد التحديات وجزر المقاومة المتشبثة بالأرض والمشبعة برائحة الكرامة.
نما أسلوب لغته الأدبية (الذي هو لب مبتغانا في هذا الكتاب) من الروحي المشرب
للنخبة الراقية الى المشترك المتوازن بين ماهو صريح معبر ومبطن يختفي في ثناياه
عالم من الحسن المطواع للحس الإنساني المرهف.
تتمحور فصول الكتاب الخمسة حول دراسة سينتاكس
الجملة في اللغة الأدبية وإنتقاء المفردات حسب التعامل الطردي في معانيها والغرض
من إستعمالها وجاء العمل سلساً وكما هو مخطط له:
الفصل الأول يتكون من ثلاثة محاور: الأول حول
أسس السينتاكس في اللغة الأدبية الكُردية مع دراسة مستفيضة لعلاقة المفردات
القاموسية فيما بينها داخل الجملة و تغيير معانيها على المستويين الداخلي و
الخارجي.. داخلياً قد تتفاعل مع الفنون البلاغية من كناية وتورية و مجاز و... و
خارجياَ حسب علاقتها مع المفردات المتجانسة الأخرى ضمن الجملة نفسها. ويتناول
المحور الثاني سينتاكس الجملة كجانب رئيسي في النظام السيميولوجي، لكونه لايدرس
الجملة وحدها بل القوانين التي تنتجها أيضاً وما تربطها مع المذاهب الأدبية من
عوامل التأثر و التأثير فيما بينهما، ويعمق بؤر التباين بين فنون البلاغة وأسس
الأسلوبية وما بينهما من سمات التشابه.
أما المحور الثالث، فيركز على الهوة المستفحلة
بين وجهات النظر التقليدية للعاملين في الدراسات اللغوية والنقدية معتمدين على
خبرتهم الذاتية وبين النظريات المعاصرة عند الإختصاصيين الأكاديميين، وكلما اتسعت
الهوة زادت المشاكل والمعضلات في بناء وتنقيج كتب المناهج الدراسية وخاصة في مادتي النحو والأدب، مما يحدث شروخ وفواصل
بين التعابير اللغوية ومقاصدها ضمن سياق الكلام ويهمل الجانب البلاغي لمفهوم
المفردات من حيث الشكل والمضمون داخل الجملة. ومن أجل التوضيح وعدم الإبتعاد عن
ذلك الإنفصام، تم تقسيم المحور الى قسمين: خصص الأول لتبيان الجوانب الفنية
والإشرافية لعمل وزارة التربية والمعتمدة أصلا على خبرة اللجان المختصة على آرائهم
و توجهاتهم الشخصية دون الرجوع الى النظريات المتعلقة بأسس ووقائع وآفاق المناهج
من جهة وبين ماتقدمه الوحدات الدراسية وما يتناوله المتعلمون من جهة أخرى. وفي
القسم الثاني ـ تنقل فيه آراء شخصية فلسفية ـ لغوية حول المفردات اللغوية
والمصطلحات القياسية وعلاقتهما باللغة الأدبية.
استهل الفصل الثاني بسرد مفصل للمسار الذي
سلكته اللغة الكُردية عبر مراحل تأريخها الطويل ودور التوزيع الجغرافي للهجاتها
الأربع في إنماء و إستدامة أنواع اللغة الأدبية الثلاثة. لذا ليس هناك تأريخ مشترك
موحد، بل لكل لهجة بداية لأدبها المدون: كانت البداية الأولى باللهجة الكرمانجية
الجنوبية في القرن العاشر الميلادي رباعيات بابا طاهر الهمداني وبابا سرهنك
الدوداني وباللهجة الكورانية في القرن الحادي عشر وباللهجة الكُرمانجية الشمالية
في القرن السادس عشر وباللهجة الكرمانجية الوسطى في القرن الثامن عشر. وإصطبغت لغة
الأدباء خلال هذه الفترة الطويلة بالطابع التصوفي من حيث المحتوى المعبر
والكلاسيكي المسلك من حيث التشكل البلاغي المحبك وأستمرت الى الربع الأول من القرن
العشرين. ثم بدأت ملامح التجديد في الأنواع الأدبية من نثر وشعر وبلغة مشتركة سهلة
الفهم وسلسة المنحى، هدفها الأساس دغدغة مشاعر العامة و توجيههم الى التكاتف
ومقارعة الظلم وأستمرت الى الربع الأخير من القرن العشرين حيث ظهرت بوادر التعامل
مع خفايا اللغة وفنونها البلاغية وأصبحت سمتها الأسمى في الإبداع. ومن خلال
الأنواع الثلاثة التي تميزت بها اللغة الأدبية الكردية في تأريخها القديم والحديث
والمعاصر، أتت محاور هذا الفصل لدراسة كل نوع وشرحه بشكل مفصل.
يتناول الفصل الثالث، إجراء مقارنة في بعض
جوانب قواعد اللغة الخاصة باللهجات الكُردية، ويتكون من ثلاثة محاور: في المحور
الأول مخصص لدراسة بعض الخصائص المورفولوجية في اللهجتين الكرمانجية الشمالية
والكُرمانجية الوسطى ومقارنتها من حيث التشابه والمفارقة في تركيب الكلمات ونوع
اللواحق المستخدمة في بناء الأسماء والأفعال... ومن أجل توضيح بعض الحالات، تتخطى
الدراسة حدود اللهجتين ويتم الإشارة الى الأمثلة في اللهجات الأخرى. ويتناول
المحور الثاني دراسة ومقارنة الضمائر الشخصية في اللهجتين مع بيان القواعد
المستنتجة من إستعمالاتها في جمل مستقاة من الكلام الدارج مباشرة في اللهجتين. وفي
المحور الثالث، حاولنا جاهدين إجراء مقارنة بين اللهجتين من حيث إستعمالهما علامات
التذكير والتأنيث حيث الإستعمال الواسع لهما في الكُرمانجية الشمالية وإقتصار
اللهجة الكُرمانجية الوسطى على الناحية البيولوجية فقط من دون وجود مورفيمات خاصة
بهما.
وفي الفصل الرابع دراسة خاصة بطائفة الشبك ونبش
تأريخهم من حيث المنشأ و مراحل التكوين، وإلقاء الضوء على حالتهم الإقتصادية
وديموغرافية مناطقهم و عاداتهم الإجتماعية وطقوسهم الدينية، وكل ذلك من أجل معرفة
اللغة التي يتخاطبون بها، وتبين أنها فرع من لهجة طوران الكُردية.
يتكون الفصل الخامس من محورين، الأول مخصص للأنواع
الأدبية منذ نشوء الأدب الشعبي الذي لايهتم كثيراً بفنون الأدب وجمالياته ومروراً
بالأدب القومي في زينته الكلاسيكية الذي يبالغ في العلوم البلاغية. وثم تأتي مرحلة
التواصل التفاعلي مع آداب القوميات الأخرى والولوج الى الأدب العالمي في أوسع
أبوابه، لتتنامى في دهاليزه دراسات الأدب المقارن. ويتناول المحور الثاني الأدب
المقارن وفيه شرح واف لنقاط التشابه والإختلاف بين مدارسه الثلاث (الفرنسية،
السلافية، الأمريكية)، ولكل منها منهجها الخاص في مقارنة النصوص الأدبية ونقدها،
وعلى ضوء تقييمها تستخدم عملية المقارنة كأداة معرفية وبطريقة مميزة ومن منظور
مختلف. فتهتم المدرسة الأمريكية على شكل وجماليات النص، لكن المدرسة السلافية تؤكد
على مضمون النص ومصادره الفكرية، بينما المدرسة الفرنسية تولي مزيدًا من الاهتمام
بالظروف والعلاقات الموجودة خارج النص. ومايتعلق بالأدب الكردي، لا يزال هذا العلم
في بدايته سواء من حيث التعريف أو الممارسة..
وأخيراً تم درج النتائج المستخلصة من الفصول
الخمسة للكتاب وكل أملي أن يكون المبتغى مشاريع مقترحة لترسيخ الأسس العلمية في
الدراسات النقدية للأدب الكُردي.

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه