هذا الكتاب
معاییر
إعادة تنظیم المجتمع الکردستاني
ضمن متابعاتنا للدراسات النقدية في الأدب الكردي، بدا
جليا أن التحولات الكسولة في الخطاب النقدي لاتتجاوز الحدود المعرفية للإحساس التأثري
القائم على رفض التحاور مع الذات القارئة. وفي الوقت نفسه، لايتخطى التفكير الجمعي
للقراء الحاجز اللساني للهجاته المحلية. في المخاض التجانسي للحالتين، تاهت خطى
ذلك الخطاب بين دهاليز سلطة المؤلف التي تطغى على تداعيات الناقد، وبين الرؤية
المتشككة التي لاترى سوى الحافاة الضيقة أثناء التحليل البنيوي للنص. ويزداد
التحليل تعقيدا، عندما يراوغ الخطاب في مدارات التفسير التأويلي ليصطاد المعنى ويبحث
عن الأفضل.
في الخطوات الثلاث، لابد أن يتم تقييم عمليتي الفهم
الإنساني المتبادل وتوازن القيم الفنية، لتلتقي نتائجهما في الإسلوب النقي والواضح
للناقد الجاد. وهذا مالانراه الآن في المسيرة النقدية للأدب الكردي الذي ترسخت بداياته
في القرن السابع عشر وتطورت إتجاهاته في الربع الأخير من القرن العشرين. من خلال هذه
المسيرة الطويلة، لاتزال الأسس المنهجية في لم أشتاته مبعثرة بين البحوث الأكاديمية
والكتابات الإنطباعية وبهما تتغذى الثقافة المجتمعية تسعى لإستكمال المقومات
الأساسية لمولد ذلك الخطاب المعافى المنتظر.
تكمن أهمية الخطاب النقدي الكردي في مزاياه على تثبيت
أسس الأداء التفسيري لمباديء التنظير. وتخضع له التجارب الجمالية لإبداعات أدباء و
فناني الكرد. وتتنامى تلك الأسس والتجارب في خطين متوازيين بين الفهم الإدراكي
والوعي التأريخي لطرفي الإنتاج والتلقي. طال إمتداد الخطين بين مد وجزر التناقضات،
مارا بمراحل ترسخت في بعض محطاتها مدارس أدبية تأن من وطأة الإهمال، ولم تحظ يوما أن
تندرج في سياق ثقافة نقدية تستند على ماهو جدير بالتدوين وما هو غير صالح لإغناء
مفاصل تأريخه الموغل في الماضي السحيق.
من خلال هذا السرد المسترسل في إختصاره، يأتي
السؤال الملح: ما جدوى وظيفة النقد الأدبي عندما يخفق المؤلفون في سرد ماهو واضح
وسليم، ويصعب على القراء فهم ماتخفيه النصوص؟
من هذه الزاوية، بدا لي واضحا تبعثر أشتات أدبنا مضافا
اليه كل الأعمال الفنية، تاركا وراءهما نتاجا مثقلا بإشكاليات الإقتباس المعاصر وتداعيات
التراث المحافظ. وعلى المساحة المسموحة للتزاوج القسري بين الماضي والحاضر يشترك الأدب
والفن سوية في غبن التدوين وضآلة التحليل و شحة النشر وسوء التلقي.
نستخلص مما سبق، أن السبب الرئيس في عدم تبلور
الخطاب النقدي الكردي سواء في بنيته الفنية، أو في مفاهيمه العلمية يعود الى التشرذم
الفكري الذي يعانيه المجتمع الكردستاني، ولاتزال مكوناته تتقوقع في إطار فكري معقد
تضيقه التشعبات، ماعدا المحاولات الضئيلة لبعض نخبه التي تحاول أن تنفلت من الإستقطاب
الآيديولوجي و تتعلم من الفنون المترسبة في مخياله الثقافي، ليغزل من الخيوط الناعمة
لأفكاره النيرة والألوان المزركشة لعواطفه الجياشة نسيجاَ
فلسفياً يكون بمثابة الدليل
المسترشد لمسيرته الإنمائية.
الفلسفة المتولدة في مخيال النخبة المبدعة في أي
بلد مستقل أو اقليم ذي سيادة شرعية، تكون بمثابة البوصلة التي تعمل ضمن الثنائية
الميتامعرفية للمادة والعقل. وتستنتج في إتحادهما مؤشرات الإستدلال المنطقي لضبط
مديات الأداء المهني في البنية التحتية لإقتصاد البلد وتنظيم مفردات السلوك الواعي
في الشبكة الإجتماعية. تسعى البلدان والاقاليم ـ كل حسب إمكاناته ـ أن يكون في
المستوى القادر لصياغة أهداف إستراتيجية تتفق عموديا مع العامل الممول للعولمة
وتتوازى أفقيا مع متغيرات عقلنة الصناعة الثقافية التي تغزو الشعوب من دون إستأذان
وتتفاعل مع جيوبوليتيكيا البلدان من دون التعامل مع إداراتها السياسية.
تعتمد البؤر السياسية في إداراتها العلمية على
التخطيط المتقن لجميع مفاصل المجتمع من خلال معادلات متوازنة بين قدرات التفكير
وتقنيات العمل لتكتمل مخرجاتها الإنتاجية في برنامج وطني شامل يعتز به كل مواطن
واع ويرى نفسه جزءا منه. ومن تلك الأجزاء تبدأ العلاقات التدرجية للأفراد ضمن أحد أنماط
الحياة ويستمر ذلك النمط في توازناته المتعددة ليكون المحور الفكري الموجه للمنضمين
في دائرته و متآلفا مع الأنماط الأخرى لتتفاعل مجتمعة في الترتيب الإجتماعي وكل
على مستوى وعيه الثقافي.
يصعب تحليل النسيج الثقافي لأنماط الحياة في كل
مرحلة من دون مقارنتها مع التحيزات الثقافية والعلاقات الإجتماعية. ولكي تكون
المقارنة منصفة، لابد من الإستعانة بنظرية (القابلية الإجتماعية ـ الثقافية
للنماء) التي تبحث في التغيرات المتداخلة بين أنماط الحياة في المجتمع وهي:
الفردية والمساواتية والتدرجية والقدرية والاستقلالية. ولكل نمط من تلك الأنماط
الخمسة تبعاته التي تتمركز قي بؤرة تتفاعل فيها القدرة الإنتاجية للفرد ومقدار
مايحصل عليه من إيرادات والكمية التي تهدر نتيجة التعامل السلبي بين طرفي كل
تفاعل. هذا من جهة ومن جهة أخرى، هناك خمسة نماذج فكرية في البناء الإجتماعي
تتقاطع على خطوطها منطلقات سلبية وإنتهازية وتفكيرية وعقائدية وحسابية. ولكل منطلق
من تلك المنطلقات الخمسة توجه ثقافي يخير سالكه فيما هو مؤتلف في تنظيره وما هو مختلف
في تطبيقه. وتبقى تلك العلاقة التعاضدية بين أنماط الحياة والمنطلقات الفكرية في
البناء الإجتماعي لتفرز بإطراد مسترسل نقاشات وطروحات وإقتراحات.. كثير منها تبقى
في باب الإجتهادات وقليل منها ترقى الى مستوى العلم والتجريب.
مايعتمد عليه في هذا الكتاب، ويتعلق مباشرة
بالمجتمع الكردستاني، هو الخط الفاصل بين نمطي الفردي والتدرجي للحياة المرغوبة في
الإقتناء، وبين منطلقي التفكيري والحسابي للفكر المرموق في الإقتداء، لكون:
- النمط
الفردي، يشمل أصحاب المهن الحرة، وتكون الخبرة والدراية بالعمل هما المعيارين
الحقيقيين لما ينتجه الفرد وما يكسبه من إيرادات. وفرص التطور أمامه مرهون بما
تبدعه مخيلته في اكتشاف الجديد وما يتحسن في إنتاجه من نوعية، وكلاهما خاضعان
للسلوك العقلاني الفردي الذي يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية. ونادرا يتصف ذلك السلوك بقيًم
أخلاقية أو جمالية إلا إذا قيدته القوانين الصارمة وجعلته ينصاع لما هو في صالح
المجتمع.
- النمط
التدرجي، في هذا النمط مهارة الإنسان هو المعيار الحقيقي لتحديد منصبه. وحسب
كفاءته في العمل المنوط به يتدرج في السلم
الوظيفي للمؤسسة التي ينتمي اليها.
ويتقابل مع هذين النمطين منطلقا التفكيري والحسابي
وترتكز على حدهما المتقاطع الإتحاد الترميزي للثقافة المجتمعية، لكون:
- أن
أصحاب المنطلق التفكيري، يقتفون بسلوك عقلاني ولهم مواقف إيجابية نحو الأفكار التي
تليق بهم ويضعونها فوق مصالحهم الذاتية، بل ويفضلونها على أفكار الآخرين.
- أما
المنطلق الحسابي، فيعتقد أصحابه أن للأفكار قوة إستغلالية تمكنهم بتحريك الناس حسب
أهوائهم وبما يتفق مع غاياتهم الذاتية.
ومن هذه الزاوية تبدو أن الخطوات الأولى للثقافة
المجتمعية في الأقليم تسير في الإتجاه الصحيح وما تصبو اليه الشرائح الإجتماعية
المتآلفة فيه أن تتربى على نمطي الفردي و التدرجي للحياة وتتغذى من رحيق منطلقي
التفكيري والحسابي للفكر. ولكي تسمو الحياة ويتربع على قمتها الفكر، لابد أن
يستقوي المجتمع بالحلقات المتسلسلة الأربع للنموذج المصغر في الحضارة الإنسانية،
وهي:
1- الحلقة
الأولى تتمثل في الخيال المبتكر الذي يسمو في إبداعات أدباء وفناني الأمة خلال
القرون العشرة الماضية. وماأعطته أحاسيسهم الرقيقة وعواطفهم الجياشة تكفي بأن تكون
البذور الحقيقية التي ينمو بها الخيال الخصب وتتغربل نواتها في فلترات النقد
البناء والتنظير المبوب لتستنتج منهما أفكاراً
تهيء بها الأرضية المناسية لينتعش عليها الفلسفة الجمالية.
2- الحلقة
الثانية، يقوم أصحاب التنظير بإستخراج الرحيق الفكري من النتاجات الأدبية والأعمال
الفنية وصياغته كعمل فلسفي يعتمد على إحدى المجموعات الثلاث لأنواعها الكثيرة التي
توالت من زمن الأغريق والى فترة الأقطاب المتناطحة أثناء الحرب الباردة بين
المعسكرين الشرقي والغربي. ومن الأولى على الأقليم أن تسترشد بالفلسفة المادية
المتحركة التي تركز على تحليل العلاقات المتداخلة بين فروع العلوم المختلفة، ليكون
لكل علم فلسفته ضمن إطار عام يسعى الى فهم طبيعة مناهجه ونقد فرضياته وتقديم
إيضاحاته في التبني السليم لتبيان إتجاه كل فرع من العلوم المتقاطعة ضمن الدوافع
التراتبية للقيم اللإجتماعية التي ترقى الى روح التسامي الأخلاقي.
3- تكمن
الحلقة الثالثة في الحرف اليدوية والمهن الإنتاجية، وتشمل جميع النشاطات
الإقتصادية والإجتماعية والثقافية في البلد. والنقطة المهمة في هذا الحقل هو أن كل
نشاط مجتمعي مرتبط بعلم معين ولكل علم فلسفته. تحديد فلسفة العلوم في شكله
التواصلي بين المراكز الأكاديمية وسوق العمل يكون بمثابة الخيوط الأولية التي ينسج
بها مسار الشؤون العامة. تتوازن الشؤون في تخطيطها المتقن بين عقلنة التفكير
الجمعي للجماهير والإدارة العلمية التي يتبعها المتنفذون. تظهر نتائج هذه المعادلة
في مخرجات ضمان الجودة ويتوقف تطور وتأخر مستوياتها حسب القدرات المستثمرة للحكومة
والمواطنين على حد سواء.
4- أما
الحلقة الرابعة من النموذج المصغر فتختص بسياسة البلد. تستجمع فيها المفردات
المتباينة للحلقات الثلاث الأولى لينسج بها نظام الحكم والبرنامج الإداري العام
على المستويين الداخلي والخارجي، حيث تتوقف تأثيراتهما على الآلية المتبعة في
تسيير أمور البلد. ليس من السهل تشخيص تلك الآلية، بسبب التغيير المستمر في
الأحداث التي يتعامل معها، هذا من جهة و من جهة أخرى، توجد تقاطعات بين برامجه
الاستراتيجية التي تؤثر سلباً
على الأحداثيات الملحة في التطبيق العملي. وثم هناك مايستجد في المواقف الآنية ذات
الضغوطات القسرية. وفوق كل ذلك تستفحل دوماً
تداخلات إضطرارية بين مفاصل نوعين أو أكثر من أنظمة الحكم ذات الإتجاهات المتعددة
من شرعية أو محتلة، قانونية أو واقعية، دينية أو علمانية ... الخ. ومهما طالت
قائمة التنوعات، إلا أنها تشترك في نقطة أساسية وهي الإتجاهات الثلاثة التي تربط
بين السلطة في قمة الحكم والقاعدة الواسعة للشعب. الاتجاه الأول يتمثل فيما تنزل
من القمة لتنفذها القاعدة من دون مناقشة أو إبداء في الرأي. والإتجاه الثاني هو
مايرفع من برامج وإقتراحات من قبل القاعدة الى القمة ليتم دراستها وغربلتها ومن ثم
تنظيمها في قوانين وتعليمات لتكتمل دورتها في التعميم المتواصل على الجهات ذات
العلاقة ومن ثم تبدأ عمليات الإشراف والمتابعة والتقويم. أما الإتجاه الثالث، فهو
الإتجاه المختلط بين الأول والثاني وكثيرا مايشوبه
نوع من الفوضى الإداري والفساد المالي.
مايستنتج من خلاصة هذا الكتاب، أن الكرد شعب مفعم
بالحياة، له تأريخه الأدبي المبعثر. يمتلك ذوقا رفيعا في عشق الألوان. أما إلماماته
الفكرية فهي بدائية ومازالت في طور التكوين. وبالنسبة لخبرته المهاراتية المتواضعة،
فهي لاتؤهله لتدبير أموره الحياتية من دون الإعتماد على الآخرين. وما توصل اليه في
الأقليم، لحد الآن، يصب في الإتجاه الثالث من الحلقة الرابعة وما تبذل حاليا من جهود
مضنية هو تخطي الأزمات وتذليل العقبات والتربع على الخط الأول من الإتجاه الثاني.

Post a Comment
بۆچوونا خۆ بنڤیسه